ديسمبر — الفصل 11أحمد سمير حسن
وأخيرًا، جاء اليوم الذي تمنته آية طوال حياتها.
محمود أتى لخطبتها!
لم تصدق أن هذا اليوم قد تحقق، بعدما انتظرته منذ كانا في المدرسة الابتدائية.
كل شيء رائع.
الشربات…
البدلة التي رأت محمود يرتديها للمرة الأولى…
وقفت خلف الستائر تراقب ما يحدث، وتنتظر موافقة والدها.
وفجأة، رأت الأيدي ترتفع، وسمعتهم يقرؤون الفاتحة.
لم تدرِ بنفسها إلا وهي تركض نحو محمود وتعانقه أمام الجميع، كالطفلة الصغيرة، وسط ذهول الحاضرين.
كانت تبكي فرحًا، وكان هو يبتسم.
ثم فتحت عينيها.
حلم آخر!
— يا آنسة…
التفتت نحو الصوت. كان رجل ذو لحية طويلة وشارب كثيف ينظر إليها.
لم تستطع الحركة، ولم تبدِ أي رد فعل.
— يا آنسة، محطة مصر. حمد لله على السلامة.
*
وقف رجل يتأمل كورنيش النيل؛ ذلك الساحر الذي لم يجد أحد حلًا لسحره.
سيظل ساحرًا… وسيظل قاتلًا، ولن يجرؤ أحد على اتهامه بذلك.
لم يقف أمام هذا المشهد منذ سنوات، بل لم يأتِ إلى القاهرة أصلًا منذ زمن طويل.
تذكر أغنية عن الكورنيش والرقص في هواء الشتاء البارد، وتخيل أنه يستمع إليها مع حبيبته التي فقدها قبل سنوات. وتخيلهما يرقصان كالمجانين أمام النهر.
ابتسم.
هدمته الحياة مرارًا، وقتلته مجازًا ألف مرة. أخذت منه أعز الناس إليه، وتراجعت صحته في الآونة الأخيرة.
لكنه الآن حي…
وهذا يكفي لرجل مر بكل ما مر به.
نظر إلى الزجاجة التي يحملها في يده.
فودكا.
ألقاها في النيل، ثم رحل.
*
وجد ياسر صديقه محمود يرتدي ملابسه ويستعد للخروج، فسأله:
— رايح فين يا محمود؟
صمت محمود ثواني، ثم قال:
— مش عارف إزاي مفكرتش إن آية ممكن تكون لسه في عين شمس ومخرجتش منها! بيتهيألي عين شمس المكان الوحيد اللي أهلها مش هيتخيلوا إنها ممكن تكون فيه.
تأفف ياسر وتثاءب:
— بقالنا سنين قاعدين هنا في بورسعيد على أساس إنك هتشتغل، وإنت طول الفترة دي بتدور عليها! مش فاهم إيه السر في كده. لو كانت عايزاك كانت كلمتك أو جتلك.
ظهر الحزن على ملامح محمود:
— اسكت يا ياسر، إنت مش فاهم حاجة.
لاحظ ياسر حزنه، فحاول تحويل الحوار إلى مزاح:
— مش عارف يا صاحبي إيه شاغلك في البت دي. ما كل الناس بتحب وتتخزوق! إشمعنى إنت فاكر نفسك عمرو دياب ولا حمزة نمرة؟
— أنا بحبها يا ياسر… إحساس الذنب بيبقى صعب.
اعتدل ياسر في جلسته، ورفع حاجبه:
— إنت شفت فيلم «هيبتا» يا محمود، ولا مالك مش على بعضك كده ليه؟
ابتسم محمود:
— يااض! هو إنت نازل بأوبشن من غير مشاعر؟
صمت ياسر لحظة، ثم قال بلهجته البورسعيدية:
— واد يا محمود… هو إنت بجد؟!
ضحك محمود وابتعد عنه، فصاح ياسر:
— واد إنت! أنا بقيت أشك فيك. مالك بقيت طري كده ليه؟!
التعليقات 0
كن أول من يبدأ الحكاية في التعليقات.