ديسمبر — الفصل 09أحمد سمير حسن
القاهرة — مدرسة عزت باشا الابتدائية
1995
دوّى جرس الفسحة، وتبعته صيحات الطلاب المبتهجين باستراحتهم القصيرة. بعضهم يغني ويهتف، وبعضهم يسبّ المعلمين، وآخرون لا يتوقفون عن الكلام في أي شيء، حتى إن لم يفهموا ما يقولون.
أما محمود وزميلته آية فلم ينتميا إلى أي من تلك الفئات.
وقفا يراقبان عبث زملائهما، وأيديهما متشابكة، كأنهما عاشقان في فيلم رومانسي أمريكي.
أخرج محمود من حقيبته ورقة كشكول رسم عليها قلبًا كبيرًا، بداخله الحرفان «A» و«M»، إشارة إلى اسميهما. ثم أخرج قطعة شوكولاتة من النوع الذي تحبه آية، وقدمها لها وهو يقول:
— أنا بحبك يا آية.
احمرّت وجنتا الصغيرة، ووضعت يدها على فمها في خجل. ثم نظرت إلى محمود وابتسمت:
— يا رب بقى إن شاء الله نخلص من المدرسة دي بسرعة ونتجوز زي ماما وبابا، ونعيش لوحدنا براحتنا ونعمل كل اللي إحنا عايزينه.
وضع محمود يده في جيبه، ونظر إليها بثقة:
— قريب… قريب.
رن جرس انتهاء الفسحة، داعيًا الطلاب إلى العودة إلى فصولهم.
*
رسالة من محمود إلى آية
الرسالة الرابعة
«أنتِ مجموعة من الحروب… نعم، مجموعة من الحروب.
من دونك لكنت الآن جالسًا في منزلي بسلام، أقرأ الروايات وأنتظر الفيلم الذي سيُعرض في الحادية عشرة مساءً، ولا أبالي بأي شيء آخر.
كنت سأستسلم لتفاهتي، وأعيش وأموت تافهًا. لكن وجودك في حياتي حوّلها إلى سلسلة من الحروب.
حرب الصباح، حين أستيقظ مبكرًا لأراكِ وأنتِ ذاهبة إلى دروسك، وحرب الظهيرة حين تخرجين من المدرسة، فأتسلل خلفك لأراكِ من دون أن يعلم أهلك.
وهنا يأتي دور التخفي، في محاولة سرقة بعض الكلمات منك، وربما عناق يمنحني طاقة إضافية أعيش بها حتى موعد رؤيتك في الغد.
لكن أكبر حرب أخوضها الآن هي أن أستعد لأتقدم إليكِ بعد عدد ليس بكبير من الشهور… أحم، أحم، أو ربما من السنين، لنتزوج!
نعم، ستكونين لي إلى الأبد. هل تدركين معنى ذلك؟
الزوج أو الزوجة هو الشخص الوحيد في عائلتك الذي تختارينه بنفسك. بالتأكيد لم تختاري أباكِ أو أمكِ أو أختك، لكنكِ اخترتِني أنا، وهذا يجعلني فخورًا بنفسي إلى أقصى حد.
لقد اختارني الملاك الوحيد الذي يسكن الأرض لأكون زوجه، وأحيا معه إلى الأبد.
هذا شيء رائع للغاية».
*
الظلام…
لا شيء أسوأ منه.
ملابس مهلهلة ومتسخة، لم تنجح الأمطار في تنظيفها. ملّت الفتاة كل ما يحدث. كان لا بد من نهاية لكل هذا.
لماذا خُلق الظلام، ما دام لا أحد يحبه؟
كانت هذه الأفكار تدور في رأسها حتى قررت أن تنهي كل شيء.
لمحت عمارة مرتفعة، فصعدت سلمها مسرعة قبل أن يلاحظ أحد أنها ليست من سكانها. ظلت تصعد من دون توقف حتى وصلت إلى السطح.
جلست تلتقط أنفاسها، وصدرها يعلو ويهبط.
شهيق…
زفير…
وقفت واقتربت من السور. نظرت إلى الشارع من أعلى، فبدت السيارات والناس صغارًا للغاية.
هل يرانا الله بهذا الحجم الصغير أيضًا؟
لا يهم.
كل شيء سينتهي الآن.
أغمضت عينيها للحظات. لقد تعلقت بالشخص الخطأ، وهي الآن من دونه. كان رحيله باختياره؛ فلو أراد البقاء لبقي. إذن لماذا كل ذلك التعلق؟
تنهدت، ثم قفزت.
شعرت بالهواء يصطدم بوجهها وشعرها المتطاير. مرت عليها ثوانٍ بدت كأنها دقائق، من دون أن تصل إلى الأرض.
فتحت عينيها فجأة.
القطار!
قطار الإسكندرية، وذلك الرجل الثقيل الذي لا يكف عن النظر إلى الركاب!
حلم آخر… تبًا للأحلام.
Comments 0
Be the first to start the conversation.