الفصل الخامس
(كامو)
الساعة الحادية عشرةة مساءً أصبحت على بُعد ساعات قليلة،عشرون ساعة تقريباً على حفل توقيعي وأفكر في الكلام الذي سألقيه في الحفل وأنا على سريري
ولكن صوت طرق الباب قطع تفكيري
من سيأتي لي في هذا الوقت؟
ذهبت مترنحة وأنا أتثاءب إلى الباب وفتحته فوجدت ورقاً مطلياً باللون الرمادي!
فأدركت مباشرةً من المُرسِل!
ولكنها أين؟
نظرت إلى السلم لم أجدها، يبدو أنها فرت مباشرة بعدما وضعت هذه الأوراق الباهتة أمام بابي...
ولكن لا بأس
فقد توقعت أنها ستظهر يوماً ما
ولكن لم أفسر لنفسي لماذا أتوقع هذا، لماذا تظهر في حياتي من جديد من الأساس!
لماذا تبحث عني!!؟
***
لا أعرف من أين ابدأ، هل أبدأ باعتذاراتي، أم أقول لكِ إنني أفتقدك، أقسم لكِ إنني أفتقدك يا سارة، عرفت أنها أنتِ أقسم أنني عرفت أنها أنتِ بمجرد أن قرأت عن هذا الغريب الذي ينشر باسم كاتب متوفٍ منذ زمن، ومن يفعل هذا سوى ابنتي المختلفة "أمزح بالطبع"
عزيزتي... أقسم لكِ أنني لم أقصد في يوم أذيتك، بل أنا المؤذية... أنا من دُمرت حياتي بلا سبب، ولم أعرف سبباً واحداً إلى الآن، يقولون هذا ابتلاء من الله، ولكن أي ابتلاء يستمر لعشرين عاماً، فقد قاربت حياتي على الانتهاء، على كُل حال
أنا أرفقت لكِ عدة شرائط مُسجلة بصوتي فيها قصتي، كما لم أحكِها لأحد من قبل، سجلتها لـ فؤاد ليسمعها بعد وفاتي، ولكنه هو من توفي، وأريد أن أوضح لكِ شيئاً مُهماً، لم أجلب شخصاً في منزلنا لاغتصابك، أقسم لكِ بهذا، فلن أطعن ابنتي بنفس السكين التي طُعنت بها من جدك! السيد علام
عزيزتي...
لقد أرفقت لكِ رقمي
سأنتظر مكالمة منكِ قبل الثانية عشرة مساءً
إن لم تتصلي بي سأعلم أنك لم تُسامحيني
وحينها أنا من سأنتحر هذه المرة، أنا من سأموت فعلاً
وصدقيني هذه المرة، أنا متشوقة لرؤيتك، ولكن لا أجرؤ على فعل هذا دون أن تُسامحيني، وداعاً يا عزيزتي.
***
سمعت التسجيلات المُرفقة بعد أن قرأت رسائلها، في الحقيقة لم تعنِ لي شيئاً على الإطلاق، محض هراء لا يعنيني في شيء، هل ستنتحر؟ مممم في الواقع أنا لا أهتم
سأنتظر حتى الثانية عشرة مساءً وبعدها سأشعل سيجارتي الـ«Next»
تخليداً لروح أمي التي اكتشفت اليوم أنها ليست عاهرة
حسناً هذا جيد، رُبما لم تَكُن عاهرة ولكنا أصبحت بعد أن توفي زوجها... أقصد أبي "فؤاد علام"
***
مكتبة "ألف"... مزدحمة كما توقعت، انتبهوا يا سادة، هذا حفل توقيعي أنا!!
أنا "كامو" العظيم، الذي بُعث من جديد في جسد فتاة تُسمى سارة فؤاد علام
أقترب أكثر من العامة... لا أشعر بتوتر على الإطلاق
لا أدري لماذا يشعر الجميع بالتوتر في مثل هذه المواقف، فماذا يعني أن أقف أمام العشرات أو رُبما المئات لأقدم نفسي وأتحدث عن كتاباتي، فهذا شيء يدعو للفخر، لا للتوتر على الإطلاق...
كنت أتمنى أن تكون موجوداً الآن أيها البائع الجائل لكي ترى ابنتك والجمهور يُعظمها، ولكنك الآن في مثواك الأخير، أو رُبما تُعذب في النار الذي عذبتني فيها طوال حياتي معك، أنت وتلك العاهرة التي أرسلت لي هذه الرسائل أمس
فتحت المكتبة أبوابها...
الجمهور يتدفق إلى الداخل، وأنا أراقب التعبيرات والترقب لرؤية العظيم "كامو" للمرة الأولى
فأدخل، وأذهب مباشرة إلى المكان الذي يُفترض أن يظهر فيه "كامو" للمرة الأولى، وسط أنظار الجميع واستغراب من الفتاة المخبولة التي تقف في موضع الأنظار "أنا"
قُلت بصوت جهوري: أيها السادة، أقدم لكم نفسي، أنا كامو العظيم الذي تنتظرونه
ضحك الجميع ساخراً، ورُبما مستعجباً مما يرى
كامو فتاة!!
نعم فتاة أيها الحمقى
فقالت واحدة من الحاضرين
— هل تمزحين؟، بعد كُل هذا كامو فتااااة!
— كما ترين... هذا أنا
ودون أن أتيح فرصة لأحد كي يتحدث، بدأت في الكلام:
— كان الهدف من رواياتي دائماً، هو البحث عن الحُرية، أن أطبق فلسفة كامو، أن كُل مِنا من الأشخاص الذين تدمرت حياتهم، لديه خياران، إما أن ينتحر، أو يبدأ حياة جديدة، يُطبق فيها أسمى معاني الحُرية
نظرت إلى أعين الجميع غير المُصدقة حتى الآن، وعلى عكس المتوقع لم أسمع همهمات هذه المرة، ولكن الصمت والتركيز
حل على الجميع، فقُلت بنبرة أكثر جدية
نبرة محاضري التنمية البشرية عندما يعطون محاضرة ويرفعون صوتهم بحماس، ليحمسوا الحاضرين
— ولكي تحصل على الحرية، عليك أن تتخلص من أكثر الأشياء التي تُحبها، باختصار، اخسر أعز ما تملك ستكون حُراً
رد أحد الحاضرين مُستنكراً، وقال
— مع احترامي، هذا الكلام غير صحيح
— هذا رأيك، لن يسمعه غيرك، ورأيي سأذكره في ندوتي التي يحضرها العشرات منكم، وسيسمعه الجميع
فقالت إحدى الجالسات باستفزاز وسخرية:
— وهل يا سيد "كامو" تستطيع أن تستغني عن والدتك مثلاً؟
هذه المرة ردي لم يَكُن من إحدى عبارات رواياتي، بل كان رد من ألبير كامو نفسه، في افتتاحية روايته الأولى "الغريب"
فقُلت لها وأنا أبتسم:
— اليوم ماتت أمي، أو رُبما أمس، لستُ أدري.
Comments 0
Be the first to start the conversation.