ديسمبر — الفصل 12أحمد سمير حسن
ما إن وصلت الفتاتان إلى مكتبة الإسكندرية حتى وجدتا حمزة في انتظارهما، من دون عناء البحث عنه.
تبادلوا التحية، وجلسوا، وطلبت كل منهما مشروبها المفضل.
ثم بدأ حمزة الحديث عن نفسه من دون مقدمات:
— أنا بعزف مزيكا وبرسم من كام سنة بس. الفكرة مش إني اتشهرت متأخر؛ لأ، أنا أصلًا بدأت أتعلم متأخر. يعني مبقتش موسيقي إلا من كام سنة. وأنا أصلًا من القاهرة، مش من إسكندرية. عارفين كده؟
تبادلتا ابتسامة مجاملة، ولم تفهما لماذا يروي كل ذلك، لكنهما ظلتا تصغيان وتهزان رأسيهما من حين إلى آخر.
أكمل حمزة:
— كنت بحب بنت زمان، من وأنا صغير، لحد ما حصلت عندها مشاكل كتير جدًا… كتير قوي.
تغيرت نبرة صوته، حتى بدا كأنه على وشك البكاء.
— أختها سابت البيت، فأهلها أجبروها تتجوز واحد مش بتحبه، ابن صاحب والدها. أبوها كان عايز يخلص منها، وهي مقدرتش ترفض بعد اللي عملته أختها. اتفاجئت في يوم برسالة منها بتقول إننا مش هينفع نكمل، وإنها لسه بتحبني، بس مفيش في إيدها حاجة تعملها. قالتلي، بكل أدب، إني أبعد عشان ما أعملهاش مشاكل. مقالتهاش بشكل صريح، بس ده كان مضمون كلامها.
سألته مريم بدهشة:
— وسيبتها فعلًا؟ محاولتش تتقدملها خالص؟
ابتسم حمزة وقد امتلأت عيناه بالدموع:
— آه، سيبتها وبعدت تمامًا. لما تحبي حد يا مريم، هتحاولي متأذيهوش، ومتكونيش سبب في مشكلة ليه، حتى لو على حساب نفسك. ساعتها أنا كنت فاشل، مش ناجح في أي حاجة، ومبعرفش أعمل حاجة. مجرد واحد عايش على معاش أبوه، من غير أهل ولا شغل ولا موهبة.
تنهد ثم أكمل:
— بعدت وتعبت جدًا. حاولت أنساها بكل الطرق: مخدرات وخمور وعلاقات… ومفيش حاجة نفعت، لحد ما قررت أنتحر.
اتسعت عينا الفتاتين دهشة، وانتظرتا أن يكمل.
— رحت صيدلية واشتريت أدوية، وخدتها وأنا ناوي أموت. نمت على الأرض والدنيا بتمطر. غمضت عيني، ومش فاكر اللي حصل بعد كده كويس. كل اللي فاكره إني لقيت نفسي في مستشفى اسمها السلام في القاهرة. معرفتش مين وصلني هناك، بس خرجت بمشاكل صحية كتير، زي الفل!
قال الجملة الأخيرة بابتسامة ساخرة، فبادلته الفتاتان ابتسامة مترددة.
— الاكتئاب كان أهمهم. فضلت فترة طويلة باخد علاج، لحد ما زهقت. جيت إسكندرية، وبدأت أعيش حياة فوضوية؛ خمور ومخدرات وعلاقات كتير. وكل أسبوع أو اتنين كنت بروح أقف على الكورنيش وأسمع مزيكا. رغم جمال بحر إسكندرية، مكنتش بلاقي نفسي إلا هناك، عند النيل… ساحر، ساحر فعلًا!
صمت، وأخذ رشفة من عصير المانجو الذي وضعه العامل أمامه منذ قليل.
ثم عاد يقول:
— لحد ما جه يوم وقلت لازم أتغير. لازم أعمل حاجة. أنا لو مكنتش فاشل، كنت اتجوزت أميرة، وكنت…
قاطعته سارة فجأة:
— هي حبيبتك كان اسمها أميرة؟
ابتسم بحزن:
— آه.
ارتجف جسد سارة. نظرت إلى كأس العصير، ثم طلبت منه أن يكمل.
الظلام… ولا شيء أسوأ منه.
شهيق…
زفير…
ترقب…
قاطعت مريم هذه المرة:
— طيب مجربتش تسأل عنها أو تروحلها بعد ما اتشهرت وبقيت ناجح؟
هز حمزة رأسه نافيًا:
— لأ. كانت فترة وعدت. مع الوقت اختيارات الواحد وتفكيره بيتغيروا. فتى أحلامك من سنتين مش لازم يكون نفس الشخص اللي هتختاريه دلوقتي يا مريم. المهم، بعد الفترة دي بدأت أتعلم مزيكا لحد ما بقيت كده.
ابتسم، فابتسمت سارة مجاملة. كانت ابتسامتها هذه المرة واضحة التصنع.
قالت فجأة:
— أنا آسفة، لازم نمشي.
نظر حمزة ومريم إليها في دهشة:
— تمشي ليه؟ إحنا لسه متكلمناش على الحفلة حتى!
أغمضت عينيها لثوانٍ ثم فتحتهما:
— آسفة… آسفة جدًا. بس فعلًا لازم أمشي.
أمسك حمزة يدها قبل أن تتحرك، وقال:
— سارة، أنا بقولك كل ده عشان أقولك إني حبيتك… وعايز أتجوزك.
Comentarios 0
Sé la primera persona en comentar.