ديسمبر — الفصل 14أحمد سمير حسن
رسالة من محمود إلى آية
الرسالة السابعة
«حبيبتي، كيف حالك؟
أعرف أن الوضع صعب في الفترة الأخيرة، وأنكِ لا تستطيعين الخروج من المنزل لمقابلتي. أتفهم ذلك تمامًا. أرجو ألا تكوني في حالة نفسية سيئة.
تذكري دائمًا أن هذه الأيام ستمضي مهما كانت صعبة. ما هي إلا سنوات قليلة حتى نكون معًا، نفعل ما نريد من دون تحكّم أحد فينا.
ستكونين مثل الملكة يا أميرتي الصغيرة، إذا سمحتِ لي أن أكون تاجًا يزيّن رأسك، لا أكثر.
أعرف أنكِ تحبين البكاء… هاهاها، أمزح بالتأكيد! لكنني لا أحب أن أراكِ تبكين، فحاولي ألّا تفعلي، مهما كان الوضع سيئًا.
كل شيء سيكون بخير. مهما فرقت بيننا الأيام، سيأتي يوم يجمعنا، ولن نحزن بعده مجددًا.
هل رأيتِ؟ لا داعي لكل هذا الحزن!
لحظة…
وكيف تحزنين ومحمود يعشقك؟!
ما هذه الحماقة!
هذا كل ما أريده يا أجمل فتاة رأيتها: ابتسامتك. لا أريد أكثر من أن أشعر أنكِ سعيدة، أو على الأقل أن أتخيلك تبتسمين».
*
«فيه ذنب قديم بيطاردك ومحدش عارفه سواك، ولذلك لسه لوحدك مع إن الكل معاك».
— عمرو حسن
كان محمود ينظر إلى الأرض، وقد امتلأت عيناه بالدموع. لا يعرف ماذا يفعل.
كيف يتوب عن جريمته في حق آية؟ إنها ما زالت حية، وربما تلعنه ألف مرة كل يوم.
هو لا يرى ما فعله خيانة، لكنه لا يستطيع أن يفسر لنفسه ما حدث في ذلك اليوم تحديدًا.
يعلم أنها كانت تحبه، وهو يحبها، وربما أكثر الآن، بعد مرور سنوات طويلة. لم يرها لما يقرب من عشرين عامًا، لكنه يعرف أنها حية، ويظن أنها تكرهه.
كل ما يريده أن يراها، وينحني أمامها باكيًا، ويقبل يديها، ويترجاها أن تسامحه.
قطع ياسر تفكيره بأغنية يرددها بلا توقف، لكن محمود لم يلتفت إليه.
تثاءب، ثم أغمض عينيه محاولًا حبس دموعه.
سأله ياسر:
— لسه بتفكر فيها؟
— آه.
— والله البت دي نفدت منك. ده إنت جربان ولا حيلتك حاجة!
نظر محمود إليه بغضب، فتراجع ياسر وهو يتنحنح:
— بس ابن حلال وطيب يعني!
ثم عاد للسخرية:
— ده إنت حتى مفيكش ريحة الوسامة! لا عندك شعر عمرو حسن ولا دقن مصطفى منير. هتبصلك على إيه يعني؟
قال محمود بضيق:
— قوم امشي يا ياسر. مش عندك شغل؟ روح شوفه بدل ما أحدفك من الشباك.
— يا عم متزوقش! لسه هكمل كلامنا. أهم حاجة حلاوة الروح يا حودة. متيأسش، هتلاقي واحدة تشوف الحلو اللي جواك!
لم يرد محمود، وبقي صامتًا حتى رحل صديقه.
*
ما إن وصلت الفتاتان إلى المنزل حتى اتجهت مريم إلى الحمام لتأخذ دشًا بعد يوم مرهق ومليء بالأحداث الغامضة.
أما سارة، فجلست أمام المرآة. وما إن أغلقت مريم الباب حتى انفجرت في البكاء، وأمسكت مقصًا وبدأت تقص شعرها، خصلة بعد أخرى، حتى أزالته بالكامل.
ظلت تحدق في المرآة وتبكي من دون توقف.
وحين خرجت مريم ورأتها، هرولت نحوها مصدومة:
— إيييه! إيه اللي إنتِ عملتيه ده؟ إنتِ اتجننتي؟!
اكتفت سارة بابتسامة، ولم تجب.
اشتد غيظ مريم:
— فهميني، ليه عملتي كده يا سارة؟
تنهدت سارة، وصمتت نحو دقيقة قبل أن تتكلم:
— ملوش لازمة. زي حاجات كتير ملهاش لازمة، ولا أي أهمية… بس إحنا اللي بنديها قيمة عشان نشغل وقتنا بيها. زي الحب… كله وهم. وهم فعلًا، إحنا بنضحك على نفسنا.
سألتها مريم في استنكار:
— الحب وهم يا سارة؟!
هزت سارة رأسها ببطء:
— وهم. مفيش حد يستاهل إننا نسلّمه قلبنا، مهما كان. الحب كان زمان أيام عنتر وعبلة، مش في زماننا ده. الحب بيبدأ جميل، وبعدين يبدأ يقيّد حريتك لحد ما تلاقي نفسك مسجونة.
ظهر الحزن على وجه مريم:
— طيب برضه قوليلي ليه قصيتي شعرك؟ كان جميل.
ردت سارة سريعًا:
— حرية! جميل أو لأ، أنا مش عايزة أبان جميلة. مش عايزة حد يحبني عشان شكلي. مش عايزة حد يحبني أصلًا.
وبعد دقائق، بدأ الهاتف يرن بإلحاح.
كان المتصل حمزة.
Comentarios 0
Sé la primera persona en comentar.