الفصل الثاني
(سارة فؤاد)
متكئة على وحدتي في غرفتي، أتأمل خيباتي، وضوء الشمعة ينكسر على غلاف رواية كُنت أقرأها منذ قليل
رواية "الغريب" للكاتب الفرنسي ألبير كامو
أقرأ على ضوء شمعة وحيدة، لأنني أخاف أن أنير مُصباح غُرفتي الساطع جداً، فيكتشف أبي أنني ما زلت مستيقظة
ألجأ دائماً إلى الشموع لأنها تُعطي نوعاً من الرومانسية إلى الأجواء... أكثر من أضواء الهاتف الرتيبة، هذا الجو مُناسب جداً للقراءة... ضوء الشمعة يتراقص، ويتراقص قلبي معها ويرتجف كلما أسمع صوتاً يأتي من الخارج، أخاف أن يستيقظ أبي ويكتشف أني ما زلت مستيقظة، فيترك بعض العلامات على جسدي تخليداً لهذه الذكرى
شليك شلاك...
القداحة!!... استيقظ أبي ويُشعل سيجارته.
***
(يوميات سارة)
تبدأ القصة دائماً من الوقت الذي تتلقى فيه الصدمات، ليس من يوم ولادتك، ما المثير في ولادة فتاة في أسرة صغيرة؟ هذه ليست بداية حقيقية، ولكن البداية الحقيقية هي وقت تلقيك أول صدمة، صدمة من الصدمات التي تُشكل شخصيتك، وأنا هُنا أتلقى مثل هذه الصدمات يومياً، هل تريد أن تتعرف عليَّ؟ حقًا تريد أن تعرفني؟ عجباً أنت الآن على وشك أن تبدأ في قراءة بضعة صفحات من مذكراتي وتريد معرفة صاحبتها أكثر، في الوقت الذي عشت فيه سبعة عشر عامًا مع والديَّ لم يحاولا التقرب مني، أو التحدث إليَّ بل أنا من أحاول دائماً، وأنا من تنتهي جميع محاولاتي بالفشل، لكن لا يَهُم الآن ليس عليَّ أن أظل أصف لك حالي، لأنني على وشك أن أشاركك أصعب لحظات حياتي التي قررت بعد ما حدث لي أن أنهيها بنفسي، حقاً أنا أتعجب منك بدأت تُغمغم بالكلام غير راضٍ عن قرار انتحاري على الرغم من أنك لم تفعل المِثل عندما حكيت لك عن معاملة والداي غير الآدمية لي؟!
كنت أتمنى أن أقول لك إنني مهتمة برأيك، ولكن الحقيقة أنني لا أبالي بأي شيء من الأساس.
رُبما عليَّ الآن أن أكف عن الثرثرة وأبدأ في سرد الأحداث، التي تسببت في جعلي أقرر الانتحار ولكن من أين أبدأ؟
من كرهي لجسدي؟ أم من الصعوبة التي أواجهها في الكلام أم من كرهي وخوفي من التجمعات؟ أم من سخرية الأصدقاء والمقربين مني؟ أم من الكدمات الأرجوانية التي تحتل جسدي؟ لا لا هذه ليست آثار ضربٍ بل ما يملؤ جسدي من كدمات كانت نتيجة أنني قُلت لوالدي يوماً أنني أريد أن أضع وشماً، فصنعه لي بيده، ومن فرط روعته، لم أستطع التحرك من السرير لمدة ثلاثة أيام.
كنت صغيرة أصغر مِن أن أتذكر عمري وقتها، ولكنني أتذكر الموقف كونه أول الصدمات، أول ما شكل شخصيتي وحياتي، كنت طفلة وحيدة أُعاني من صعوبة في النطق، سمعت أبي يقول يوماً إنني مصابة بمرض "التوحد"، لم أفهم معنى ما قاله وبالطبع لم أجرؤ على سؤاله...
أمي تقول إن والدي عصبي ووالدي يقول إن أمي عاهرة
أمي تقول إنها لا تطيق رؤيته
أبي يقول إنها تكره الوقت التي تنظر فيه إلى وجهه
والاثنان لا يُعيرانني أي اهتمام...
وكأنني نكرة لم أولد من الأساس
يظنان أنني الشيطان الرجيم الذي جعل حياتهما معًا تستمر
— أبي من عبد الحليم؟
— رجل عديم الفائدة، مِثلك تماماً.
أذهب إلى أمي وأقول لها:
-"أمي لماذا ليس لدي أصدقاء"
فتقول لي بعدم اكتراث حقيقي:
— لأنك فاشلة دراسياً، مريضة لا تستطيعين النطق بصورة صحيحة.
صمتت لحظة ثم اقتربت مني ونظرت في عيني مباشرة وقالت:
— أنتِ في السابعة من عمرك الآن، وهذا يعني أنك لو لم تُعدلي من لسانك وسرعة نطقك للكلام حتى العام المقبل سوف تذهبين إلى الملجأ لأنني لا أريد ابنة تجلب العار ولا تتزوج!
يرتجف جسدي، أجلس بعيداً عنهما، أضم ركبتيَّ إلى صدري وأبكي بصمت...
أبكي بخوف...
أبكي دون أن يراني أحد، لأن أول علامة أرجوانية في جسدي كانت بسبب أنني بكيت في الوقت الذي يُشاهد أبي فيه التلفاز، في الحقيقة لا أتذكر أبداً سبب بُكائي، ولكنني دائماً أتذكر أنني أكره أبي بسبب كل هذه التشوهات في نفسيتي قبل أن تكون في جسدي...
***
الأبواب الموصدة والإضاءة الخافتة والموسيقى هؤلاء هم أصدقائي
هؤلاء هم رفقاء طريقي بالإضافة إلى أصدقائي المُقربين دائماً وهم الكتب
ففي سن مبكرة بدأت القراءة، قرأت لـ/أحمد خالد توفيق كأي قارئ عربي في فترة مراهقتي، فدائماً ما تكون البداية عِند العراب، قرأت لـ/نجيب محفوظ، وعشقت ألبير كامو... أعجبتني فلسفته العبثية، ما أسهل الإنتحار بعد أن تقرأ لهذا الرجل، وكأي قارئ نهم جربت أن أكتب، ورأى مُدرّسيَّ ما كتبته أكثر من مرة وقالوا إنه رائع، يا لها من حكاية؛ إذاً سارة ابنة فؤاد البائع الجائل ستصبح كاتبة مشهورة، ولكن لماذا لا أخبر أبي؟ بالتأكيد سيفرح، رُبما أنا أكره أبي ولكنني لا أكره أن أراه سعيداً، ولأنني أُدرك يقيناً إنه أحبني في يوم ما، يقول الجميع أنه لا يوجد أب يكره أولاده، ولكن أبي كرهني جداً هذا هو الأمر الجلي بالنسبة لي، ذهبت يومها وقد قررت بشجاعة واضحة، وبعيون متحمسة أنني سأقول لأبي إني موهوبة في الكتابة وبعد أن أرتاد الجامعة سأكون كاتبة، فتحت باب منزلنا، وجدته كالعادة يجلس أمام التلفاز... يشاهده باهتمام وكأنهم يعلنون عن نهاية العالم
— أبي؟
— صه... قُلت لكِ ألف مرة لا تتحدثي إليَّ وأنا أفعل شيئاً مُهماً...
"قالها وقد ألقى بمحوّل القنوات على رأسي"
وجدت دموعي تفر دون أن أشعر، لا أدري هل أبكي من أثر الضربة أم من قسوة رده وقُلت له بشجاعة لم أعهدها من قبل:
— ولكنك تشاهد التلفاز ما المُهم في ذلك؟
فقال لي وقد ابتسم ابتسامة شيطانية:
— نعم أشاهد التلفاز، وكل ما أفعله في حياتي مهم، لهذا لا تتحدثي إليَّ مُطلقاً
فقلت دون أن ألقي بالًا لما قاله:
— أنا أكتب جيداً، وسأصبح كاتبة مشهورة يوماً
لم يغضب...
لم يتأثر...
وجهه جامد، وبعدها اعتدل في جلسته، ثم وقف واقترب مني وقال لي:
— ابتعدي عن الكتابة، إياكِ أن أراكِ تَكتُبين يوماً... سأُلقي بكِ في جَهنم وقتها
بدأت في البكاء، ولكن هذه المرة بقوة وقُلت له:
— أنت أسوأ أبٍ رأيته في حياتي
— وأنتِ أسوأ فتاة في السابعة عشرة من عمرها، عمّاذا تَكتُبين، هاه؟ عن حياتك البائسة؟ عن نطقك الخاطئ للحروف؟ هل تكتبين لأنك عاجزة لا تستطيعين الكلام بصورة صحيحة؟ ماذا قرأتِ في حياتك لكي تَكتُبين؟ قرأتِ مجلة ميكي؟
— قرأتُ لأحمد خالد توفيق، وفرانز كافكا، وألبير كامو، قرأت الكثير وأكتب جيداً، وسأكتب لأنني أريد الكِتابة، سأكتب وهذه حريتي وسأذكر رأيي كإنسانة حرة في رواياتي... سأكتب عن الحرية التي سلبتموني إياها...
بدا وجه أبي جامداً وقتها، بدا وكأنه بلا شعور، جماد لا يُبدي أي معالم... بعد صمت استمر لثواني قال:
— لكِ حرية الاختيار، ولي اتخاذ القرار، لن تَكتُبي أبداً.
ثم بدأت رحلة أخرى من رسم الوشوم على جسدي... ولكن بطريقة أبي
الضرب المُبرح...
***
وفي إحدى ليلاتي الحزينة، سمعت صوتاً أعرفه جيداً، صوت كاتب أعشقه وهو "أحمد خالد توفيق"، والصوت من منزلنا!! خرجت فوجدت أبي يُشغل أحد المقاطع الصوتية التي يُغني فيها د/أحمد خالد توفيق
أزهاري... أفكاري
كل دفاتر كتاباتي
وأشعاري
تراب في تراب
*
انتبه أبي لوجودي خلفه فقال لي هذا هو الرجل الذي تقرأين له، إنه ضعيف، بلا أي فائدة يبيع الهراء للأطفال مثلك.
لم أتحمل أن يتحدث عن كاتبي المُفضل بهذه الطريقة
فرددت بسرعة وقُلت له:
— أرجو ألا تتحدث عنه بهذه الطريقة، فهذا الرجل توفي مُنذ فترة، فمن الأفضل أن تدعو له إن كان يجب أن تتحدث عنه من الأساس
— توفي!!... توفي متى؟
قُلت وأنا مُتعجبة من اهتمامه:
— منذ فترة طويلة.
***
تقول لي زميلاتي في الصف إنني مصابة بالاكتئاب فلا أهتم، أظن أنه من الغريب ألا أصاب بالعديد من الأمراض النفسية في هذه الحياة...
دائماً ما أشعر بأنني في كابوس بدأ يوم مولدي...
ولكن على الرغم من كل شيء، كان لدي أمل في الحياة...
أشعر أنني سأصبح كاتبة مميزة...
سأكتب عن وغد يُدعى فؤاد وعاهرة اسمها سميحة تزوجا لينجبا بائسة مثلي
سيكون عنوان الرواية هو مممم... لا أعلم
ولكن رُبما يكون عنوانها الثانوي
"عندما يكون الإنجاب جريمتك الكبرى"...
استمرت حياتي لسنوات طويلة على نفس المنوال
حتى أتى هذا اليوم...
سمعت صوتاً خارج غرفتي
شخصٌ يُنادي
كان أبي وقتها طريح الفراش...
يتنفس أنفاسه الأخيرة
أمي واقفة بلا حراك أمامه
كنا نعرف أنه على حافة الموت وقتها...
التعرق...
التنفس بصعوبة...
نظرة الانكسار
الرغبة في فرصة أخرى
الأعين الدامعة
هذا هو أبي وقتها، كنت أعرف أنه سيموت لأن ببساطة
جميع الأشخاص يموتون بهذا الشكل
ناداني بصوت يُجاهد كي يخرج، ذهبت إليه ببطءٍ شديد، لا أعرف ما يريده مني فقال لي وهو يحاول أن يكون ودوداً
— رأيت إحدى كتاباتك وراقت لي، أظن فعلاً أنكِ ستكونين كاتبة رائعة...
لم أجرؤ على الكلام وقتها... لا أصدق ما يقول، رُبما كان هذا فخاً لينهال عليَّ بالضرب، ولكنه لم يَكُن كذلك، فأكمل كلامه:
— لا تتعجبي مما أقول، فلدي خبرة واسعة، فقد كُنت كاتباً يوماً!
ثم توقف عن الكلام
توقف قلبه عن النبض
وأغلقت أمي عينيه إلى الأبد
توفي فؤاد علام وترك لي سره الأكبر
أبي البائع الجائل، كان كاتباً!!
...
بعد فترة من وفاة أبي بدأت مرحلة أخرى غريبة في حياتي، مرحلة الوحدة، أشعر وكأن أمي ليست موجودة من الأساس، هذا هو الوقت الذي تكتشف فيه أقارب لم ترهم من قبل
هذه الست عنايات ابنة عمي
هذه السيدة جمالات ابنة خالتي
هذه الأستاذة عطيات زوجة أخي
أشكالهم مريبة، نظراتهم خبيثة، أشعر وكأن أمي تُدبّر لشيء ما، أشعر وكأن أمي غريبة جداً، تخشى النظر لي، تخشى أن توجه لي الكلام، بل أصبحت تتلاشاني تماماً، تُرى ماذا يحدث، ولماذا تأتي هذه السيدات في الليل دائماً؟
لا أعرف...
لكن استمرت حياتي كما هي
أعود مِن مدرستي أنظر إليها وعيناي تقولان:
— أكرهك من كل قلبي
فتنظر لي وأشعر أنها تقول في نفسها:
— أكره وجودك في هذا المنزل
كنت أشعر دائمًا بأنها قد تطردني يوماً ما فبدأت البحث عن عمل، ولكنها لم تطردني
ولم ترحل هي من المنزل كما توقعت أيضاً
ولكنها فعلت ما هو أسوأ
***
كنت نائمة كعادتي أحاول أن أحارب همومي بالنوم
وجدت من يطرق بابي. فتحت باب غرفتي متوقعة أن أرى أمامي أمي
ولكنها ليست أمي
بل رجل غريب
— من أنتَ؟
دفعني إلى الخلف، وقال لي:
— ستعرفين حالاً
رُبما تتوقع ما حدث، ولكني لم أجرؤ حتى على التخيل وقتها، بدأت أبكي خوفاً ورعباً مما قد يحدث، هذه ليست نظرات قاتل، هذه ليست نظرات سارق، ولماذا ينظر السارق، إلى كُل جُزء في جسدي ويتأمله بهذا الشكل؟
— أرجوك يا سيدي، لا تفعل هذا...!
يبتسم... ثم يفتح عيناه أكثر كي يُخيفني! ولكنني لا أخاف، أنا أرتعش رُعباً!
يقترب مني ويمسكني من طرف ملابسي، ثم بدأت في الصراخ:
— أمي... أمي أرجوكِ تعالي وُخذي هذا الشخص مِن هُنا
يضحك ويجذب ملابسي فتنقطع في يده
— أمي... أمي أرجوكِ تعالي وخُذي هذا الحيوان من هُنا
يضحك ويجذب ملابسي فتنقطع أكثر
ويُكرر الأمر، أصبحت شبه عارية أمامه، أحاول أن أتملص منه، ولكنه أقوى
— أمي... أمي أرجوكِ لا تخذليني هذه المرة
يبدأ في تقبيلي رغماً عني:
— أرجوكِ اتركني فأنا أضعف مِن أن يَحدُث هذا
فيقول لي:
— اخرسي!!
يلوي يدي ويضعها خلف ظهري، ينزع ملابسه، أحاول أن أصرخ وأبكي
— اخرسي
يبدأ جسده في مُلامسة جسدي
فأصرخ أكثر
— اخرسي يا بنت الكلب
يصفعني ويجذبني نحوه ويُلقي بجسده الثقيل فوق جسدي
أبكي أصرخ أتلوى تحت يديه
— اخرسي يا بنت الكلب
دقائق مرت كالساعات بالنسبة لي، انتهى مما أراد فعله، مال عليَّ ليُقبلني لمرة ثانية، فبصقت في وجهه
فابتسم ورحل بلا كلمات
خرج من غرفتي...
الصمت يحاوطني، الصمت ولا شيء مُخيف أكثر منه، تشعر وكأن العالم كله صمت لكي يستمعون إلى أوجاعك تعزف
كنت أنهار، ارتديت ملابسي
وقفت أمام مرآتي لأرى عيناي الذابلتين تبكيان
وجهزت نفسي للخروج سريعاً
أخذت كشكولي الذي كتبت فيه تلك الكلمات
وانحنيت أمام مرآتي لأودعها...
وبكامل أناقتي خرجت في الواحدة بعد منتصف الليل تقريباً
وضعت سماعات الأذن وشغلت موسيقاي...
يجب الآن أن أحتفل فقد اغتصبت منذ دقائق!!
فأنا الآن أمامي طريقان
إما الانتحار لكي أعُذب في النهاية
كما خُلقت لُأعذب في الحياة
أو أن أتقبل أن يُطلق عليَّ زوجي المستقبلي كِلمة عاهرة
لأنه لن يُصدق بأن ما حدث كان اغتصاباً تحت رعاية أمي
صمتُ لحظة... بدأ إيقاع الموسيقى يشتغل...
أحب هذا المقطع
أخذت قراري
الانتحار...
ثم ركضت...
لا أعرف إلى أين أذهب ولكنني أركض
حسناً كنت أود أن أكون كاتبة ولكن لِم لا يُكتب عني؟
دونت كل ما حدث، وكل ما جعل من الانتحار طريقي،
وعُدت للركض أرتطم بالمارة
فأقول لهم:
— سامحوني فعليَّ أن أموت الليلة
أسمع الموسيقى وأركض أسرع مع سرعة الإيقاع
أنظر إلى السيارات المُسرعة
والأضواء الراقصة في الشوارع
أودعهم للمرة الأخيرة
أضع دفتري على الطريق وبه كل ما جعلني آخذ هذا القرار
رُبما يقرأه أب ويرحم أبناءه من قسوته
والآن لنبدأ الرحلة... الانتحـاااار.
Comentarios 0
Sé la primera persona en comentar.