في الخامسة فجرًا كانت الغرفة غارقة في ضوء أزرق باهت يتسلل من النافذة وصوت جهاز القلب يطلق صفيرا منتظمًا هادئًا
على المقعد الملاصق للفراش كانت جودي نائمة جالسة ورأسها على حافة الفراش بجوار يده وفستانها الملطخ لا يزال عليها وأصابعها متشابكة بأصابعه كأنها خافت أن يهرب منها وهي نائمة
تحركت أصابعه أولًا
ثم فتح عينيه ببطء نظر إلى السقف الأبيض لحظات لا يعرف أين هو ثم شعر بالثقل الدافئ على يده فأدار رأسه بصعوبة
رآها... شعرها منسدل على الملاءة البيضاء والدانتيل الممزق على كتفها والسوار الذهبي في معصمها ملطخ بلون داكن
تحركت شفتاه الجافتان وخرج صوته كالهمس:
– سيلا
رفعت رأسها في لحظة كأن أحدا ناداها من آخر الدنيا نظرت إليه بعينين متورمتين ثم شهقت ووضعت يدها على فمها:
– ياسر... ياسر إنت صاحي... إنت شايفني؟
– شايفك
– طب... طب أنا مين؟
ابتسم ابتسامة متعبة وقال:
– واحدة لابسة فستان فرح مبهدل... ومناخيرها حمرا من العياط
وشكلها وحش أوي
ضحكت وبكت في نفس اللحظة انحنت على يده وقبلتها مرة ومرتين وهي تقول:
– وحش وحش... إنت كنت هتموت عشاني يا مجنون
– ما أنا قولتلك يوم الجمعة عليا
– بس مقولتليش إنك هتاخد الرصاصة بدالي
رفع يده السليمة بصعوبة مسح دمعة عن خدها بإبهامه وقال:
– الفستان ده... هو اللي كنتي عايزة حد يشوفك فيه يتسحر
أومأت برأسها وشفتاها ترتجفان فقال بصوت مبحوح:
– اتسحرت... اتسحرت لدرجة إني نطيت قدام رصاصة
– بطل هزار
– مش بهزر يا سيلا... أنا عمري ما كنت جد كده.
انفتح الباب بهدوء ودخل سفيان يحمل كوبين من القهوة فتوقف عند الباب حين رآه مستيقظًا وضع الكوبين على الطاولة الصغيرة اقترب من الفراش ونظر إليه للحظات ثم وضع يده على رأسه كما يفعل الآباء وقال بصوت مخنوق:
– حمد الله على السلامة يا ابني
نظر إليه ياسر بدهشة لم يستطع أن يخفيها فلم يقل له أحد يا ابني من قبل حتى
ابوه الجاحد لم يقلها له ابدًا
قال سفيان وهو يمسح عينيه:
– الفرح اتلغى... وحبيب مختفي من ساعة الضرب ومحدش يعرف مكانه
أنا عمري ما هنسى إنك رجّعتلي بنتي حية
ثم التفت إلى جودي وقال بحزم أبوي:
– سيلا... قومي دلوقت تغيري الفستان ده أنا جبتلك هدوم في العربية
– مش هسيبه يا بابا
– هو مش هيطير... صح يا ياسر
نظر ياسر إليها وقال:
– روحي... أنا مستنيكي هنا مش هطير
وقفت وهي تنظر إليه حتى وصلت إلى الباب ثم عادت فجأة قبّلت جبهته قبلة سريعة أمام أبيها وخرجت تجري واحمرّ وجهها حتى أذنيها
ابتسم سفيان ثم نظر إلى ياسر وقال:
– دي أول مرة تبوس حد قدامي
– أنا آسف يا...
– متتأسفش... أنا اللي آسف إني اتأخرت في اني اتعرّف عليك.
في الإسكندرية كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة صباحًا حين توقفت سيارة نصف نقل قديمة محملة بأقفاص الخضار على الكورنيش على بعد مئة متر من فيلا الجيزاوي نزل منها رجلان بجلابيب بسيطة وبدآ ينزلان
الأقفاص على الرصيف كأنهما بائعان متجولان
على المقهى المقابل جلس رجل ثالث بقميص مكوي يقرأ الجريدة ويحتسي الشاي بهدوء
كان ثلاثتهم من رجال سالم الشريف.
رفع الرجل عينيه من فوق الجريدة ببطء نظر الي الرصيف المقابل للفيلا حتى توقفت عيناه على الرجل ذي السترة الرياضية الرمادية الذي كان يقف عند سور الكورنيش يدخن ويتظاهر بالنظر إلى البحر
لم يكن ينظر إلى البحر
كل دقيقتين كان رأسه يلتفت نصف التفاتة نحو الشرفه في الطابق الثاني
أخرج الرجل هاتفه ببطء ووضعه على الطاولة مائلًا ثم التقط ثلاث صور دون أن يرفعه وأرسلها إلى رقم واحد فقط وكتب تحتها:
– موجود من قبل وصولنا... واقف قصاد بلكونة الهانم بالظبط
مبيتحركش... مستنيين أوامرك يا باشا.
في نيويورك وصلت الصور إلى هاتف تميم كان معاذ يجلس بجواره على المقعد داخل أحدى الغرف في المستشفى وذراعه ملفوفة بالضماد الأبيض فمد يده وأخذ الهاتف قبل أن يقرأه تميم
نظر إلى الصورة الأولى... رجل غريب يقف على الكورنيش الذي يعرف كل حجر فيه... أمام الشرفه التي شرب فيها القهوة كل صباح مع حبيبته... والسيجارة في يده والعينان ملتصقتان بالنافذة التي تنام سيلا خلفها
لم يقل شيئًا... لكن تميم رأى عروق رقبته تنتفخ وفكه يتصلّب ويده السليمة تقبض على الهاتف حتى ابيضت مفاصله
ثم نهض فجأة وقال بصوت هادئ مخيف:
– أنا راجع مصر
– معاذ...
– أنا راجع النهارده... على أول طيارة
وقف تميم أمامه سد طريقه وقال:
– ولما ترجع فجأة وإنت المفروض في مهمة... الراجل ده هيبعت يقول إيه؟
– هيبعت يقول إن جوزها رجع وكسرله رقبته
– هيبعت يقول إن معاذ الجيزاوي خاف على مراته فجأة
يعني عارف إن في حد بيدور عليها
يعني عارف إن ياسر صرخ باسمها... يعني ياسر بتاعنا
وساعتها يا معاذ مش هيبقى راجل واحد على الكورنيش... هيبقوا عشرة
استدار معاذ وضرب الحائط بقبضته... بيده المصابة دون أن يشعر
تأوه وانحنى على نفسه والدم بدأ يظهر من جديد تحت الضماد الأبيض فأمسكه تميم
وأجلسه على المقعد بالقوة وقال بغضب:
– إنت مجنون... الغرز يا حمار
رفع معاذ عينيه إليه كانتا حمراوين قال بصوت مكسور لم يسمعه تميم منه أبدا:
– مراتي يا تميم... مراتي واقف تحت بيتها كلب بيصورها وأنا هنا
مش قادر أعمل حاجة... مش قادر حتى أقولها خدي بالك.
جلس تميم بجواره وقال بهدوء:
– أبويا قالك في رقبته... والرجالة اللي هناك دول رجالة أبويا من عشرين سنة
لو الراجل ده حرك إيده ناحيتها هيبقى في البحر قبل ما إيده توصل.
– وأنا مطلوب مني أعمل إيه؟
– تكلمها وتضحك... تهزر معاها زي كل يوم تخليها متحسش بحاجة
نظر معاذ إلى صورة الرجل في الهاتف ثم إلى صورتها الصغيرة في خلفية هاتفه هو وقال:
– دي أصعب حاجة حد طلبها مني في حياتي.
بعد نصف ساعة كان معاذ يقف في الشرفة الصغيرة للمستشفى وقد لبس سترة بأكمام طويلة تخفي الضماد وغسل وجهه ثلاث مرات بعد أن أزال القناع الذي غير ملامحه و جعله رجل آخر ثم فتح الكاميرا
ظهر وجهها على الشاشة في لحظة وكأنها كانت تمسك الهاتف في يدها تنتظر:
– أخيرًا يا بيه... أخيرًا افتكرت إن ليك وحده مستنياك
– صباح الخير يا قمر
– صباح الخير إيه... ده إحنا الضهر وإنت مبعتش ولا حرف من امبارح
الفرح خلص من ساعات وأنا قاعدة زي العبيطة
ضحك معاذ ضحكة عالية حاول أن يجعلها طبيعية وقال:
– الفرح طول يا ستي... والعريس كان مبسوط زيادة عن اللزوم
– والعروسة
– قولتلك مبصتش
– ولا نظرة؟
– ولا نص نظرة
ضيقت عينيها ونظرت إليه من خلال الشاشة نظرة طويلة ثم قالت ببطء:
– معاذ... إنت منمتش
– نمت ساعتين
– وشك أصفر ليه؟
– الإضاءة يا حبيبي
– الإضاءة ليها لون في عينك كمان... أنا عارفاك في حاجة حصلت
ابتلع ريقه نظر إليها وهي تضيق عينيها في وجهه بعناد كأنها تقرأه سطرًا سطرًا ثم قال بجدية مصطنعة:
– في حاجة فعلا
– إيه؟
– وحشتيني لدرجة إني بقيت أكلم نفسي و تميم ابن الكلب بيطلعني مسرح قدام الرجاله
ضحكت رغمًا عنها ثم توقفت فجأة وقالت بنبرة مختلفة:
– طب بما اني مبعرفش اكدب عليك... خليني أقولك حاجة
– قولي
– في واحد ثقيل واقف تحت البيت من الصبح بدري
بيبص عالبلكونة كل شوية... أنا شوفته وأنا بشرب الشاي
وبعدين لما دخلت وطلعت تاني لقيته لسه واقف
مش قادرة أفهم ده بيعاكس ولا اتجنن ولا إيه.
تجمد معاذ في مكانه شعر بقلبه يسقط بين قدميه لكنه أجبر وجهه أن يبقى كما هو وقال بصوت حاول أن يجعله عاديًا:
– يمكن مستنى حد
– بيستنى حد ساعتين قدام بلكونتي... لا يا حبيبي... أنا هنزلّه أعرفه مقامه
– سيلا لأ
خرجت الكلمة منه أسرع وأحد مما أراد فتوقفت ونظرت إليه بدهشة وقالت:
– لأ ليه؟!
– عشان... عشان ممكن يكون عيل سكران ويتهجّم عليكي
– هو يقدر... ده أنا هخليه يندم إنه اتولد في إسكندرية
– سيلا... اسمعيني...
لكنها كانت قد قامت من مكانها وظهر على الشاشة الإسدال وهو يتحرك والسلم والباب ثم قالت بمرح:
– متقلقش يا ميزو... خليك معايا على الخط واتفرج على مراتك وهي بتشغل دماغها
– سيلا اقفي... سيلا... إنتي سامعاني؟
لكن الكاميرا كانت قد انقلبت في جيب الإسدال ولم يعد يرى إلا الظلام
ويسمع صوت خطواتها على السلم... ثم صوت الباب... ثم صوت البحر.
عبرت سيلا الشارع بالإسدال ونظرت يمينًا ويسارًا ثم وقفت أمام الرجل ذي السترة الرمادية مباشرة ووضعت يديها في خصرها وقالت بصوت عالي:
– إنت يا أستاذ... إنت واقف هنا بتعمل إيه؟
التفت إليها الرجل ببطء وقد فوجئ تمامًا نظر إليها من خلف نظارته السوداء دون أن ينطق
– إنت مش بتسمع... بقولك واقف قدام بيتي من الفجر بتعمل إيه؟
بتبص على البلكونة ليه... إنت فاكر البلكونة دي شاشة سينما
ابتسم الرجل ابتسامة صغيرة باردة وقال بعربية مكسرة بلكنة غريبة:
– أنا بستنى صديق
– صديق... وصديقك ساكن في بلكونتي... اسمع يا حلو
جوزي ظابط وأبوه لواء وجده لواء
وإنت لو فضلت واقف هنا خمس دقايق كمان
هتلاقي نفسك في القسم بتشرح للظابط وبعدها هيعملوا عليك حفلة
إنت جاي منين بالعربي المكسر ده؟
لم يرد الرجل بل نظر إليها لحظة طويلة من رأسها إلى قدميها كأنه يحفظها ثم مد يده إلى جيب سترته
في اللحظة نفسها توقف خلف سيلا بائع الخضار ذو الجلباب البسيط في يده قفص من الطماطم وقال بصوت جهوري:
– في حاجة يا أستاذة... الأخ ده بيضايقك
التفتت إليه سيلا بدهشة بينما توقفت يد الرجل في جيبه ونظر إلى البائع... ثم إلى البائع الآخر الذي اقترب من الجهة الثانية
أخرج يده من جيبه فارغة وأخرج منها علبة سجائر وقال بهدوء:
– لا مشكلة... أنا ذاهب
سار مبتعدًا على الكورنيش دون أن يلتفت
قالت سيلا للبائع بإمتنان:
– متشكرة يا حج... ربنا يخليك
– العفو يا ست الكل... خشي جوه بقى الشمس حامية.
عادت إلى الفيلا وهي تضحك أخرجت الهاتف من جيبها وقالت:
– شوفت يا ميزو... الواد جري... عرفته مقامه
لم يضحك... كان على الطرف الآخر من العالم جالسًا على أرضية الشرفة الصغيرة
يسند ظهره إلى الحائط والهاتف على أذنه يده على عينيه وقد سمع كل كلمة... سمع حتى الصمت حين مد الرجل يده إلى جيبه
قال بصوت مبحوح:
– سيلا
– إيه... مالك؟
– متنزليش تاني... أي حد يقف تحت البيت متنزليش له
اقفلي الشيش واستنيني
– إنت بتتكلم بجد؟
– أنا عمري ما كنت جد كده... عشان خاطري
صمتت لحظة ثم قالت بهدوء لم يسمعه منها كثيرًا:
– حاضر... بس إنت كمان عشان خاطري متكدبش عليا تاني
أنا مش عارفة إيه اللي بيحصل... بس صوتك دلوقت قالّي كل حاجة.
في المستشفى الخالية في الظهيرة جلس راغب أمام تميم وبينهما كوبان من القهوة الأمريكية الباردة لم يلمسها أحد
كان تميم ينظر إلى يديه... لا تزال آثار الدم تحت أظافره رغم أنه غسلهما عشر مرات
قال راغب بصوت ثقيل:
– اتكلم يا تميم... من الصبح وإنت ساكت كيف الحيطة
رفع تميم عينيه إليه وقال بمرارة:
– أتكلم أقول إيه يا عم راغب... الليلة كانت متظبطه بالدقيقة
الزفة والرقصة الساعة تمانية ونص... وإيفان يبارك ويتكلم وياسر جنبه
المأذون ميعاده الساعة عشرة... بعد العشا.
كل ده كنا مرتبينه سوى
مد يده يتحسس ذلك القناع الموضوع فوق وجهه و لم ينتزعه منذ الأمس ثم أكمل بقهر
- حتي شكلنا غيرناه و اسمائنا متسجلة في فرع شركة سفيان إننا عمال
والشركةدي منصور ملوش أي علاقة بيها حتى لو سأل عننا هيعرف أننا شغالين
هناك من سنين... يعني مسبناش ثغرة واحدة.
أومأ راغب برأسه وقال:
– كله ديه حصل... و كنا مرتبين في نص الفرح .....
قاطعه تميم بغل:
– في نص الفرح كنت هسلم التسجيل وملف سفيان
للجماعة الأمريكان اللي متفقين معانا من القاهرة
تواقيع منصور المزورة... وختم ريد وصوت إيفان وهو بيقول دفعت مليون دولار
وقبل ما المأذون يقعد على الترابيزة
كانوا هيدخلوا القاعة ويقبضوا على منصور وحبيب بتهمة الشحنات
حبيب كان هيطلع من فرحه بكلبشات قدام الناس كلها
والعروسة تطلع من القاعة في حضن أبوها.
صمت لحظة ثم أكمل بصوت أخفض:
– وأهم حاجة... إن القبض عليهم كان هيبان قدام إيفان
وفيكتور إنه طالع من ورق سفيان:
أخ اكتشف إن أخوه بيزور إمضته... مشكلة عيلة
ومحدش كان هيبُص ناحية ياسر لحظة واحدة
نفث راغب دخان سيجارته ببطء وقال:
– ديه كانت خطة زينة... أنا كنت معاك فيها حرف حرف
– كانت... بس إحنا حسبنا إيفان وحسبنا فيكتور... وحسبنا ريد
ونسينا الوحيد اللي مكانش ليه حساب... الغبي
حبيب سبقنا بساعة ونص... ساعة ونص بس يا عم راغب
لو كان الكلب ده صبر لحد الساعة عشرة
كان زمانه في الحجز وياسر واقف على رجليه.
وضع راغب يده الثقيلة على يد تميم فوق الطاولة وقال:
– الراجل اللي بيحسب كل حاجة بيتعب جوي يا ولدي
لأن الدنيا عمرها ما بتمشي على الورج
أنا جعدت سنين وسطهم
وكل مرة كنت بتعلم إن الطلجة اللي بتجتل... هي اللي محدش حسب حسابها
إنت مغلطتش... الغلطة كانت في راس واحد ابن كلب حجودي معندوش عَجل
رفع تميم عينيه إليه وقال بصوت مكسور:
– والواد اللي جوه ده يا عم راغب... ده أخو مراتي
أنا اللي وعدتها... أنا اللي حطيته في النار دي بإيدي
أخرج راغب المظروف من جيب سترته الداخلي وضعه على الطاولة بينهما وقال:
– ياسر ادَهولى جبل الفرح... وجالّي لو محتاجتوش ارميه
ثم مزقه نصفين أمام عيني تميم المذهولتين وأكمل:
– محتاجناهوش... الواد عايش... والخطة بايظة آه بس الدبابة لسه ليه شغل
والشحنة التانية جاية بعد أسبوعين... نخطط من أول وجديد.
في نفس الساعة كان منصور يجلس في مكتبه في الشركة لم يغير ملابس الفرح
ولم ينم دقيقة واحدة والهاتف أمامه على المكتب يحدق فيه كأنه ينتظر حكما بالإعدام
رن الهاتف... رقم خاص
رد بيد مرتعشة وقبل أن يتكلم جاءه صوت إيفان الهادئ:
– ابنك بخير يا منصور
إنهار منصور على مقعده وقال باكيًا:
– إيفان... الحمد لله... أرجوك... رجّعهولي
– سيعود... حين أحصل على ما وعدتني به
– الفرح اتلغى... البنت... سفيان مش هيوافق تاني
– لم أطلب فرحًا يا منصور... أريد ورقة
عقد زواج موقع بإسم إبنة أخيك وإبنك... بعد سبعة أيام
كيف تحصل عليه لا يهمني
– يا إيفان أخويا هيقتلني لو...
– أخوك لن يقتلك... أنا سأفعل
صمت لحظة ثم أكمل:
– وابنك يعيش في غرفة صغيرة بلا نوافذ... كل يوم يمر... يُصبح أقرب للموت
لم يكد منصور يرد حتى انقطع الخط.
ظل جالسًا مكانه ينظر إلى الهاتف الصامت ثم وضع رأسه بين يديه
وبكى بكاء رجل باع أخاه... وها هو يكتشف أن الثمن لم يدفع بعد.
في الشقة الآمنة في المساء جلس تميم ومعاذ وراغب حول الطاولة أمامهم ملف سفيان وصور فيكتور وريد في المطعم وورقة بيضاء كتب عليها تميم سطرين فقط... الشحنة التانية... أسبوعين
قال تميم:
– التسجيل راح... بس الشحنة التانية لسه جاية وياسر هو اللي هيستلمها
لو مسكناهم متلبسين بعشر أضعاف الأولى... ده أكبر من أي تسجيل
قال معاذ دون أن يرفع عينيه عن الورقة:
– إيفان مش الراس الكبيره على فكره... منصور قال قبل كده الناس الكبار...
نفث راغب دخان سيجارته ببطء وقال:
– الجنرال... سوكولوف
التفتا إليه فأكمل بصوت ثقيل:
– إيفان كلب حراسة... والكلب ليه صاحب
سوكولوف عمره ما بيطلع من موسكو... بس الشحنة ديه لو بعشر أضعاف
يبجى هو اللي بعتها بنفسه... عينه هتبجى عليها لحد ما توصل
نظر تميم إلى معاذ وقال بهدوء:
– يبقى نخليه يشوفها وهي بتتمسك
سال تميم باهتمام :
- انت متأكد ؟....انت مقولتش المعلومة دي يا عم راغب قبل كده
نظر اليه بجدية وقال :
- لحد امبارح كنت مفكر إن إيفان هو المسؤول
بس جواتي مكتش مرتاح لأن الناس دي كبيرهم عمره ما يظهر جدام الكل
انتبه اليه معاذ وقال بهدوء حذر و هو ينظر إليه بشك :
- اوعى تكون عملت اللي فهمته... انت المفروض ميت يا عم راغب
ابتسم وقال بثقة:
- متخافش يا معاذ آني عارف بتحددت مع مين.
سأله تميم بغضب:
- واتكلمت مع مين بقى... وجبت الثقة فيه منين ؟
- لساتني ليّا رجاله هناك وضامن ولائهم ليا
دول يفدوني بحياتهم لأني فديتهم بحياتي بدال
المرة عشرة... كلّمت واحد منيهم بعد اللي حصل وجالي
عاللي جولتهولكم متجلجش الراجل ديه أمان وآني لو مش ضامنه مش هغامر بحياتي .
في التاسعة مساءًا كانت جودي قد غيرت فستانها أخيرًا ارتدت بنطالًا وسترة بسيطة
شعرها معقود وعادت إلى المستشفى تحمل كيسًا ورقيًا
فيه شطائر وعصير وزهرة بيضاء صغيرة اشترتها من بائع في الشارع.
وصلت إلى الممر الطويل فرأت رجلين ضخمين من رجال فيكتور يقفان على بعد خطوات من باب غرفته فتوقفت مكانها وقلبها يدق
كان الباب مواربًا قليلًا سمعت من خلفه صوتًا تعرفه... صوت فيكتور الهادئ
اقتربت ببطء حتى وقفت بجوار الباب في زاوية لا يراها منها الحارسان وكتمت أنفاسها.
في الداخل كان فيكتور يجلس على المقعد الذي نامت عليه هي الليلة الماضية يضع ساقًا فوق ساق ويبتسم ابتسامته الباردة:
– إيفان يرسل تحياته لرجلنا الشجاع... قفزت أمام رصاصة لم تكن لك يا ابن شعبان
قال ياسر بصوت متعب:
– البنت كانت في الطريق... ولو ماتت في فرح العيلة كان الكل هيدور ورانا
– منطقي جدًا
ثم أخرج هاتفه بهدوء قلب الشاشة نحو ياسر وقال:
– وهذه... هل كانت في الطريق أيضًا؟
نظر ياسر إلى الشاشة
سيلا... سيلا الجيزاوي في الإسدال تقف في الشرفة في الإسكندرية تبتسم للبحر وكوب الشاي في يدها
لم تتحرك عضلة في وجهه لثانيتين كاملتين
ثم... تعمّد أن ترتجف رموشه
أشاح بعينيه عن الشاشة بسرعة كمن لسعته نار نظر إلى النافذة وقال بحدة:
– جبت الصورة دي منين؟
– لا يهم من أين... المهم أنك صرخت بإسمها وأنت تقفز... سيلا
وليس في نيويورك كلها امرأة بهذا الإسم... إلا هذه
– ملكش دعوة بيها
خرجت الكلمة منه أعلى مما يجب تعمد أن تخرج كذلك ثم أطبق شفتيه كمن ندم على ما قال.
ابتسم فيكتور ببطء وأمال رأسه وقال:
– زوجة الضابط معاذ الجيزاوي... صديق زوج أختك
– معاذ مش صاحبي
قالها ياسر من بين أسنانه وقبض يده السليمة على الملاءة
أكمل بصوت مكتوم وهو لا يزال ينظر إلى النافذة:
– الجيزاوية هما اللي ودوا أبويا السجن... أبوه وعمه وكل عيلته
واخواتي اتجوزوا ولاد سالم الشريف عشان يعرفوا يعيشوا بعد مانا اختفيت
كان لازم اختفي بعد ما أبويا وأمي اترموا في السجن
أنا ابن شعبان... وهفضل ابن شعبان لحد ما أموت
– والزوجة؟
صمت ياسر طويلًا وابتلع ريقه كأن الكلمات عالقة في حلقه ثم قال بصوت منخفض جدًا:
– دي حاجة قديمة... قبل ما تبقى مراته... ومش هتكلم فيها... لا معاك ولا مع غيرك
– وهي... هل تعرف أنك ما زلت...
– قولتلك متدخّلش.
قالها وأدار رأسه إليه أخيرًا بعينين مشتعلتين فرفع فيكتور يديه باستسلام مصطنع وضحك ضحكة قصيرة:
– حسنًا حسنًا... رجل يصرخ بإسم زوجة عدوه وهو
يقفز أمام الموت... هذا رجل يحمل نارًا كبيرة... والنار يا ابن شعبان مفيدة جدًا لنا
صمت للحظة ثم قال بهدوء وهو يعيد الهاتف إلى جيبه:
– وابنة سفيان... ماذا عنها؟
– ولا حاجة
قالها ياسر ببرود قاطع ونظر إلى السقف:
– مجرد بنت عبيطة كانت في المكان الغلط... أنا مكنتش شايفها أصلًا
كنت شايف حد تاني.
ضحك فيكتور ضحكة قصيرة ثم مد يده إلى جيب معطفه الداخلي ببطء وأخرج شيئا صغيرًا لامعًا ووضعه على الملاءة البيضاء فوق صدر ياسر مباشرة
الولاعة الفضية... ورأس الذئب يلمع تحت ضوء المصباح
تجمد ياسر لنصف ثانية فقط فقال فيكتور بهدوء:
– حارس منصور وجدها في غرفة صغيرة في حديقة سفيان الجبري... ليلة الخميس
مع آثار أقدام رجل وامرأة على التراب
مال نحوه وأكمل بنفس الهدوء:
– فتاة لا تهمك... ولم تكن تراها أصلًا فلماذا تسلّقت
سور أبيها في منتصف الليل قبل الفرح بيوم يا ابن شعبان؟
نظر ياسر إلى الولاعة على صدره ثم مد يده السليمة وأخذها ببطء قلبها بين أصابعه كأنه يتأكد أنها هي ثم أشعلها مرة واحدة وأطفأها قال ببرود وهو لا يرفع عينيه عن اللهب الذي اختفى:
– البنت كانت عاجباني... وقولت أتسلى شوية
رفع فيكتور حاجبيه فأكمل ياسر وعلى شفتيه ابتسامة جانبية باردة لم يراها أحد على وجهه من قبل:
– بنت مدلعة وفاكرة نفسها في فيلم وخطيبها كان بيستفزني في الميناء ويقولي بتحب البوس فين
فقولت أكسر عينه قبل فرحه بليلة... وأعرف بنفسي بتحب إيه
دسّ الولاعة في جيب قميص المستشفى وأضاف بملل:
– وبعدين... ده مش وقت أسأله عن مغامراتي يا فيكتور
الولاعة دي بتاعتي ومتعودتش حد يشيلها غيري.
ساد صمت لحظة ثم انفجر فيكتور ضاحكًا ضحكة حقيقية هذه المرة وصفّق بيديه مرة واحدة وقال:
– تتسلى بخطيبة رجل من العائلة ليلة فرحه وتحلم بزوجة عدوك
وتقفز أمام رصاصة لأن موت الفتاة سيجلب المشاكل
أنت حقًا ابن شعبان... أبوك كان مثلك تمامًا... لا قلب له إلا للانتقام
نظر له ياسر للحظة ثم قال بشك مصطنع :
- السؤال هنا... إزاي وصلتو لسيلا بالسرعة دي؟ !
ابتسم فيكتور بجانب فمه ثم قال :
- مع أنه ليس من شأنك لكني سأقول لك... حدث بمحض الصدفة ليس أكثر
تطلع له ياسر بعدم فهم فأكمل :
- انت تعلم أننا علي علم بكل فرد في عائلة الجيزاوي أو الشريف
ونضعهم تحت أعيننا منذ ما حدث لأبيك
بمجرد أن صرخت أنت بهذا الإسم حضر في ذهني تلك الجميلة
أرسلت أحد رجالي كي يلتقط لها صورة ويكتب لي بياناتها كاملة
كي أريها لك
سأله ياسر باهتمام :
- وإنت إيش عرّفك إني أعرفها أصلًا مش يمكن سيلا تانية ؟!
ضحك فيكتور وقال:
- هذا هو الحظ يا عقرب... مجرد تخمين جاء في محله
سأله ياسر بذهول :
- عقرب؟!
- نعم عقرب... أنت عقرب حقًا تلدغ وتبُخ سِمّك في هدوء
رغم أنك لا يبدو عليك ذلك لذا من اليوم أنت... العقرب.
خلف الباب... سقط الكيس الورقي من يد جودي على الأرض دون صوت
والزهرة البيضاء الصغيرة تدحرجت على بلاط الممر حتى توقفت عند قدم أحد الحارسين.
نهض فيكتور ووضع يده على كتف ياسر السليم وقال:
– استرح يا صديقي... أمامك شحنة كبيرة بعد أسبوعين
وأمامنا الآن شيء يحبه معاذ الجيزاوي... وشيء تحبه أنت
وهذا يجعلني أنام مطمئنًا جدًا.
خرج...مر من الباب فرأى الزهرة البيضاء على الأرض والكيس الورقي بجوارها
ولم يرى أحدًا... توقف لحظة نظر إليهما ثم ابتسم وأكمل طريقه في الممر.
في الداخل أغمض ياسر عينيه وزفر زفرة طويلة مرتعشة شعر بالعرق البارد يغطي جسده كله تحت الملاءة أخرج الولاعة من جيبه وقبض عليها حتى آلمته أصابعه
ثم فتح عينيه ونظر إلى الباب الموارب وقال بصوت مبحوح:
– سيلا... إنتي برا؟
لم يجيبه أحد لم يكن في الممر إلا الحارسان... وزهرة بيضاء على الأرض
ماذا سيحدث يا ترى......
سنرى.......
انتظروووني.........