ديسمبر — الفصل 08أحمد سمير حسن
الإسكندرية — ديسمبر 2016
أيقظت سارة أختها مريم في وقت مبكر على غير عادتها. كانت تريد شيئًا، بالتأكيد.
— مريم… مرييييم!
فتحت مريم عينًا واحدة، ونظرت إليها بتثاقل.
— عايزة إيه؟
ابتسمت سارة وقالت:
— النهارده المفروض يعلّقوا إعلانات حفلة حمزة في الشارع. تعالي ننزل نشوفها.
— هو اتصل؟
رفعت سارة حاجبيها مبتسمة:
— لأ… بس أنا عايزة أشوفه.
تأففت مريم:
— طيب طيب… كله يهون عشان المُز!
بعد ساعة، كانتا تسيران في الشارع. ارتدت مريم قميصًا بلا أكمام وبنطال جينز، ووضعت سماعات «بيتس» على أذنيها، بينما ارتدت سارة فستانًا أسود، وتركت شعرها الطويل يتدلى على كتفيها.
ظلت سارة صامتة، أما مريم فكانت تخطو خطوتين وترقص أربعًا على أنغام أغنية «تبص في مرايتك» لفرقة المغني خانة.
نظرت سارة إليها وسألت:
— إنتِ بتسمعي إيه مخليكي فرحانة أوي كده؟
ضحكت مريم حتى اهتز جسدها:
— المغني خانة… «تبص في مرايتك».
ابتسمت سارة متعجبة، وقالت في نفسها: «أمال لو بتسمعي حاجة سعيدة شوية!».
وصلتا إلى محيط مكتبة الإسكندرية، وهناك رأتا إعلان حفلة حمزة، رغم أنهما لم تتأكدا بعد من مشاركتهما فيها.
ظهر حمزة في الملصق مغمض العينين، تحيط به هالة من الآلات الموسيقية.
لم تتحدث سارة، بينما علقت مريم ساخرة:
— لأ، مُز مُز ابن الجزمة!
قرأت سارة اسم الحفل المكتوب على الملصق:
«ديسمبر».
ديسمبر…!
*
رسالة من محمود إلى آية
الرسالة الثالثة
«أشعر بما تشعرين.
سمعت نبضات قلبك عندما تعانقنا.
منذ فترة طويلة لم أرسل إليكِ الخطابات؛ لأننا نرى بعضنا شبه يوميًا عند عودتك من المدرسة الثانوية.
ها هي سنتك الأخيرة، وبعدها ستكونين حرة. فلماذا أرى هذا الحزن في عينيكِ مؤخرًا؟ ولماذا بكيتِ بين ذراعيّ في عناقنا الأخير؟
هناك شيء لا أفهمه. هل كل ذلك بسبب مشكلاتك مع أهلك؟
لا أظن أن مشكلات الحياة كلها تستحق أن تدمع عيناكِ بسببها، ولو لدقيقة واحدة. كيف يبكي ملاك بسبب مشكلة بشرية سخيفة؟ نعم، أنتِ أرقى من أن تكوني بشرًا!
أعلم أن الكثير من الفتيات يعانين من المشكلات الأسرية، وقد قرأت عن تأثيرها في النفس، وعن أثر العلاقات العاطفية كذلك. لكن الحمد لله أنني لست سببًا في حزنك.
آية، أرجوكِ تحمّلي هذه الفترة فقط. بعدها سيصبح كل شيء جيدًا. سنكون زوجين متفاهمين، ولن أسمح لأحد أن يجعلك حزينة في وجودي.
هذا وعد».
*
الظلام… ولا شيء أسوأ من الظلام.
كانت الفتاة تركض إلى المجهول، ويطاردها أبوها وأمها وأختها.
لا ترى أين ستضع قدميها في الخطوة التالية، لكنها تركض. لا تعرف ماذا سيحدث إن توقفت لحظة، أو إن تمكن أهلها من الإمساك بها.
تسمع صياحًا وصرخات، ثم ضحكات صاخبة. لا بد أن هناك بشرًا في هذا المكان، لكن أين الضوء؟ لماذا يغمره الظلام الدامس؟
تركض ولا تعرف إلى أين.
ضحكات.
صرخات.
وعيد بالجحيم الأبدي.
فتحت عينيها فجأة.
حلم!
نعم، كان حلمًا.
ابتلعت ريقها وحاولت استجماع ذاكرتها.
— شاي… بجنيه!
قطار الإسكندرية.
البرد.
وشخص ثقيل الظل لا يكف عن التحديق فيها كل بضع دقائق.
ضمت الفتاة ركبتيها إلى صدرها، وأسندت رأسها إليهما.
ثم راحت في نوم سريع.
टिप्पणियाँ 0
सबसे पहले बातचीत शुरू करें।