الفصل الثالث
(فؤادعلام)
درجة الحرارة 29
الإسكندرية
جالسًا أفكر في كُل الأسئلة التي قد تأتي في رأس شاب في مثل عمري يريد الزواج، في إحدى "كافيهات" الإسكندرية التي أجد نفسي مرتاحاً فيها، أنتظر "أميرة" رُبما هي السبب الوحيد الذي يجعلني أحلم حتى الآن، فشخصٌ مثلي يخاف كُل شيء تقريباً، كيف يستطيع أن يحلم؟
فأنا أخاف الموت كثيراً، أو رُبما أخاف المجهول بشكل عامٍ، كل شيء لا أعرف ماذا يحمل لي، مثل المُستقبل! فأنت لا تعرف ماذا سيحدث بعد دقائق، خاصة عندما يكون مستقبل شخصٍ مثلي في التاسعة عشر من عمره لا يَملُك في حياته إلا الكتابة وحبيبته "أميرة"، نعم أنا كاتب يقول كل من قرأ لي شيئاً، أنني موهوب، ولكن ماذا ستفعل الموهبة عندما يُطلب مني ثلاثة آلاف جنيه لكي تُنشر روايتي الأولى؟
لمحت "أميرة" آتية من بعيد، فأطفأت "سيجارتي" سريعاً قبل أن تراها، فدائماً ما أقول لها حين تراني أُدخن، إنها المرة الأخيرة وأنني لن أُمسك بسيجارة أخرى أبداً! هي تُصدقني ولكنها لا تُدرك أني أقصد بـ أبداً "أنني لن أُدخن أمامها" فأنا لا أستطيع أن أتوقف عن التدخين، فهو الشيء الوحيد الذي يُشعرني بأنه مستعد لأن يفعل أي شيء لأجلي، فلم يحترق أحدٌ لإسعادي سوى سيجارتي "الـ«نيكست»"
قطعت "أميرة" حبل أفكاري الذي لا يتوقف أبداً أتت فاتنتي الصغيرة أخيراً! مُبتسمة كعادتها، وكالعادة قلبي يتراقص حين رؤيتها، وقفت لأستقبلها، وشددت لها الكُرسي وانحنيت أمامها بحركة استعراضية كي تجلس، فجلست وهي تبتسم وقالت وهي لا تَكُف أبداً عن الابتسام:
— أراك من بعيد فأظن أنك إحدى أساطير الإغريق تُفكر في مُستقبل العالم، ألا تَكُف عن التفكير أبداً؟
فقُلت لها رافعاً حاجبي الأيمن في حركة دائماً ما تبتسم حين أفعلها:
— وماذا أفعل يا صغيرتي، العالم يزداد قساوة من حولنا! ولا أملك مالاً يكفيني لكي أتزوج "أميرة" مثلك
— لماذا لا تَطلُب من والدك مساعدتك؟ وأنت تعرف أنه يملك ما يكفيه ممال وأكثر؟
تنهدت وعُدت بظهري إلى الوراء وقُلت:
— كاكاو أم سحلب فواكه؟ -
— لن أشرب "قالتها بتأفف لأنني حاولت أن أغير الموضوع"
فرفعت يدي متخيلاً الجرسون أمامي وقُلت ساخراً:
— سيدي هل يُمكن أن تلكمني لأن صغيرتي غاضبة ولا تُريد أن تشرب إحدى مشروباتها المٌفضلة، وأنا لا أستطيع أن أراها في مثل هذا الحال!
ابتسمت وقالت ما تريده؛ فطلبته ثم قُلت لها:
— أنا على أعتاب الانتهاء من رواية جديدة، سأقدمها لإحدى دور النشر الكبيرة، وبعد نجاحها المضمون، سنتزوج من الأرباح أعدك بذلك.
***
مرت عدة أشهر فأرسلت الرواية إلى أكثر من ثلاث دور نشر، ولم يأتِ رد ولكن ليست هذه المشكلة، فأنا مُعتاد على التجاهل من دور النشر، لكن المشكلة هي أبي الذي جاء لي وقال:
— ستتزوج سميحة
صُدمت بكلامه الذي لم يُمهد له أبداً فقلت له:
— مَن سميحة؟
— بنت الحاج حسين
في هذه اللحظة بدأت يدي ترتعش، لا أعرف كيف أرفض، كيف يُمكن أن أقول لأبي: لا، أنا غير مُعتاد على هذا أبداً...
— أبي، لكنني أحب فتاة أخرى، أنااااا لا أعرف سميحة حتى
— تُحب فتاة أخرى؟ =
أخافني سؤاله خاصة وأن نظرته تحمل الكثير من الشر فترددت هل أجيبه بالنفي أو الإيجاب!
— لا أنا مُعجب فقط بفتاة رأيتها مرة أو مرتين، وكنت سأفاتحك في الموضوع
— إذًا فَكُن مُستعداً لأن زواجك من سميحة سيتم سريعاً
***
بعد يومان ذهبت لمقابلة "أميرة" كعادتي وفي هذه المرة لاحظت التغير الكبير الذي طرأ في شخصيتي، نعم أنا دائماً ما أفكر ولكن قسمات وجهي لا تحمل هذه الكآبة في كل مره تقابلني فيها، فقالت وهي قلقة حقاً بشأني:
— لا تكذب عليَّ، وقُل لي ماذا حدث لك
— لا شيء
— قُل يا فؤاد... أرجوك! هل رفضت دور النشر روايتك؟
لا أعرف ماذا أقول بالضبط! بأي مصائبي أبدأ؟، هل أقول لها أنني ضعيف لا أستطيع تحمل مسؤوليتها، أم أنني لم أقوَ على أن أقول لأبي إني أحب فتاة وأريد ان أتزوجها، أم أقول لها أنني سأتزوج من فتاة غيرها لم أرَها إلا عدة مرات تقريباً!
هل أقول لها بأنني سأتركها إلى الأبد لأنني ضعيف! أنا هش، شخصيتي أضعف من جسد "رِفعت إسماعيل العجوز \_ شخصية خيالية من روايات ما وراء الطبيعة"
ولكن حتى هذا العجوز تحامل على نفسه وحقق بعض أهدافه على الأقل، أما أنا فلا، أنا أهرب من المشاكل بدلاً من مواجهتها، يسألونني ماذا حل بك، وما كُل هذا الحُزن، فأحاول أن أبدو سعيداً، لأنني أخاف أن أحكي سبب حُزني!
يا لي من ضعيف
يا لي من وغد لا يستحق الملاك الجالس أمامه الآن
— فؤاد؟ صمتك يُقلقني -
— سأحكي لكِ كُل شيء يا أميرة، ولكن أرجوكِ ساعديني
— حسناً احكِ
— رفضوا روايتي، وأبي يريدني أن أتزوج ابنة أحد أصدقائه
قالت بثقة كبيرة أخافتني، لأنني لم أَكُن جديراً بهذه الثقة
— وماذا قال لك بعد أن رفضت؟ -
— لم أرفض!
— ماذا؟
— لم أرفض! لا أستطيع أن أرفض، أنا أضعف من هذا بكثير! أنا وغد يا صغيرتي! لقد حددوا وقت الزواج
عادت "أميرة" برأسها إلى الوراء ازدرت ريقها لا تدري ماذا تقول، شعرت بأن كلماتي دمرت ابتسامتها! لم تمحُها فقط؛
فقالت لي:
— ثم؟
— أنا أكتب رواية جديدة، إذا قُبلت في أي دار نشر، سأهرب... سأترك المنزل وأتزوجك
ابتسمت "أميرة" ساخرة من كلامي وقالت لي وهي لم تحاول حتى أن تُداري سخريتها:
— لن تُقبل رواياتك يا فؤاد! لأنك فاشل، ضعيف لا تقوَ على فعل شيء في العالم، لا تستطيع فعل شيء إلا الهروب من الواقع وأن تأتي لتبكي لي وكأنني خُلقت لكي أحل مشاكلك! صدقني أنت لن تنجح في حياتك أبداً بكل هذا الضعف الذي تتمتلكه، اذهب وتزوج مِمَّن أختارها لك والدك، اذهب لعلك تنجح في شيء ما.
— أميرة... أرجوكِ لا تقسِ عليَّ بكلماتك... أنا ســ...
قاطعتني قبل أن أُكمل جُملتي وقالت لي بعينين بدأتا في أن تدمعا:
— لماذا تكتب؟ من أجل الشهرة أم من أجل المال؟
— أكتب لأنني أحب الكتابة
ابتسمت ساخرة مرة أخرى وعيناها ما زالتا تدمعان وقالت:
— أنت تكتب لأنك تشعر بنوع من القوة عندما تَكتُب، لأنك تتحكم في أبطالك بدلاً من أن يتحكم فيك العالم الخارجي، أنت تكتب ما لا تستطيع التفوه به علناً بفمك، أنت ضعيف ولن تتغير أبداً
قالت كلماتها ونهضت وأمسكت حقيبتها لترحل، وكُنت أعلم أن هذه آخر مرة سأراها فيها، رُبما للأبد.
***
دائماً ما أحاول أن أهرب من الحقيقة لأنني عاجز عن تصديقها ولكن هذه المرة الأمر واضح جلي، فقد رحلت "أميرة" إلى الأبد، وأصبحت وحيداً جداً، تفصلني عدة أيام عن الزواج من فتاة باردة الطباع والملامح، فتاة لا أعرف حتى الحكمة من زواجي منها، سوى أن أبي يريد ذلك، لستُ من ذلك النوع الذي يستطيع قول لا، فأنا أوافق وأدعو الله أن لا يكون الأمر سيئاً
ودائماً ما يكون الأمر أسوأ مما اعتقدت
لكن يجب أن أتغير، ولكن كيف أتغير وأرفض ما يريده أبي، وأنا لا أملك شيئاً، وإن تخلّى أبي عني، لن أجد مأوى سوى الشارع...!
حسناً سأتزوج مثلما أرادوا
سأتزوج لأشبع احتياج هذه الفتاة للجنس، ولكن أقسم أنها ستعيش معي أسوأ أيام حياتها
سأكون الشيطان الرجيم الذي لم تتخيله حتى في أحلامها
وسأمزق جميع أوراقي ولن أكتب بعد الآن
فلماذا أكتب بعد أن أضعت مُلهمتي؟
سأحرق جميع أعمال "كامو" ولن أكون الغريب الذي وددت أن أكونه يوماً
***
تزوجت ومن الليلة الأولى وأثناء جماعنا الأول، أدركت أن هذه الفتاة لها ماضي، إنها ليست بِكراً، هل هذا هو سبب زواجنا؟ رُبما لم أتحدث إليها ولم أفتح الموضوع معها، بل ذهبت إلى أبي وأخبرته:
— هل زوجتني هذه الفتاة لأنها ليست بكراً؟
— نعم.
— لمَ؟
— المهم أن تعرف أنه ليس ذنبها، عش حياتك ولا تظلمها!
بعد حوارٍ طويل بيننا لم يُخبرني السبب، وبالطبع لا أستطيع أن أنفصل عنها، وإلا سأجد نفسي في الشارع بلا مأوى وبلا مال...
مرَّ الوقت سريعاً...
رُزقنا بطفلتنا الأولى والتي شعرت بقدومها وأنها كـ القيد الذي يربطني بهذا الشيء المُسمى "سميحة" إلى الأبد
لم أُحب ابنتي، ولم أحب أمها، كل شيء كان مختلفاً عما أسمعه دائماً
الحب يأتي بعد الزواج...
مرور السنين يزيد قوة الحُب...
لن تُحب أكثر من أطفالك
هذه الأشياء أسمعها دائماً، ولكن الحقيقة أنني لم أكره في حياتي أكثر من كل شيء في هذا المنزل
ظل بيتنا كئيباً، رتيباً أضواؤه باهتة...
ليس هذا المنزل الذي كتبت عنه يوماً في روايتي، هذه ليست الحياة التي تخيلتها
بين خيالي والواقع الكثير والكثير من الأشياء التي لم تتحقق...
لم تعد معي "أميرة"، بل هي مُجرد "سميحة" التي تكره الجنس وتجد ألف مبرر للرفض كُلما طلبتها إلى الفراش...
معي طفلة أظن أنها مصابة بتوحد وتُعاني صعوبة في النطق أحياناً أنسى أن اسمها "سارة"
في الحقيقة أنا لم آخذ "نوبل" في الأدب كما رسمت في خيالي، ولم أنشر عملاً واحداً حتى بل أصبحت بائعاً جائلاً أقدم الـ"آيس كريم" للأطفال البلهاء أثناء خروجهم من مدرستهم
لا يزالون يظنون بأن الحياة وردية ولكنهم لم يعرفوا عبثية الحياة بعد...
يوماً ما سيكون الجميع مثلي ويسأل لماذا لم يتحقق حلم واحد حتى من أحلامي
وستُدرك بعدها أن الأحلام ليست سوى مُخدر مؤقت لتستطيع أن تعيش واقعك التعيس.
***
كَبُرت "سارة" وبدأت أشعر بأنها تخافني جداً هي أول إنسان في هذه الحياة يجعلني أشعر بأن لي هيبة تقترب مني وأنا أفكر في حياتي البائسة وأنت تعرف أنني وأنا أفكر أشبه إحدى أساطير الإغريق، أفكر في مستقبل العالم كما قالت لي إحدى زميلاتي يوماً أظن بأن اسمها "أميرة" لكن الفرق بين الحاضر والماضي هو بضعة شعيرات بيضاء ظهرت في رأسي
تقول لي "سارة":
— أبي، مَن عبدالحليم؟ -
فأقول لها بعدم اكتراث:
-"رجل عديم الفائدة، مِثلك تماماً"
***
ها أنا الآن اقتربت على نهاية عمري، ولم أبتَع السيارة التي كُنت واثقاً أنها ستكون مِلكي يوماً، لم أتزوج الفتاة الحسناء التي رسمتها في خيالي عندما كُنت صغيرًا، وتركت حُب حياتي بسبب "الظروف" لم أكتب الرواية التي ستغير العالم، بل إنني لم أنشر رواية واحدة قط، كل ما أملكه في حياتي هي العربة الخشبية التي أجرها نهاراً لأكسب قوت يومي من بيع "الآيس كريم" وفتاة تعاني صعوبة في النُطق وزوجة عاهرة لا أستطيع أن أنفصل عنها إلا لو وددت أن أنهي حياتي مُبكراً، هذه هي الحياة... ستقاتل حتى تقترب مُجرد الاقتراب من أهدافك، لتركلك وقتها وتطيح بك بعيداً جداً... حتى تنشغل بكيف تتأقلم... كيف يُمكنك أن تعيش، وتنسى أمر أحلامك وأهدافك نهائياً...
لم أقصد أن أشتت ذهنك ولكني كُنت أفكر لما وصلت له بعدما شاب شعر رأسي وأصبح من الصعب أن تجد شعرة سوداء في لحيتي... ها أنا دائماً أفكر كإحدى أساطير الإغريق حتى قطعت "سارة" أفكاري كعادتها، وكعادتي أظن أنها ستحمل لي أخباراً سيئة، أو سؤالاً بلا فائدة، فأمسكت "محوّل القنوات" وألقيته عليها من غضبي لأنها قطعت تركيزي، ولكنني ندمت سريعاً على ما فعلته، وددت أن أعتذر لها، ولكن كبريائي منعني، وجدت عيناها تدمع قليلاً، وقالت:
— كنت أود أن أخبرك شيئاً
— وهو؟
— أنا أكتب جيداً، سأصبح كاتبة مشهورة يوماً!
لم أتمالك نفسي وقتها، لم أستطع أن أتحكم حتى في أعصابي، لا أعرف هل أنا سعيد الآن؟ هل ما قالته لي "سارة" خبر مُفرح أم أنها ستنضم إلى كتيبة الجُبناء؟ ولكن لماذا الكتابة؟
— ماذا قرأتِ حتى تَكتُبين هااه؟ مجلة ميكي؟
— قرأت العديد من الكتب والروايات، قرأت لـ كامو... قرأت لكافكا... قرأتُ لأحمد خالد توفيق أنا أكتب جيداً وسأكون كاتبة مشهورة يوماً ما أنا واثقة من هذا
عيناي كادت أن تدمع وأنا أسمع هذه الأسماء، أشعر بخلل في تفكيري، كامو!! الذي تأثرت به دائماً، وكنت أتمنى أن أكون مثله كشخص وككاتب، أحمد خالد توفيق التي اتخذت من جملته علامة لحُبنا أنا وحبيبتي يوماً، كنت أكرر جملة بطلته "ماجي" فتُكمل هيَ كلمات بطله "رفعت إسماعيل"
كنت أقول لها سنظل معاً إلى الأبد، فتقول لي: "وحتى تحترق النجوم" عيني تدمع لأول مرة أمام ابنتي، أشعر بشيء يتسلل إلى قلبي، هل هو الخوف؟ لا أعلم
— أبي... ماذا بك؟
— إياكِ أن أراكِ تكتبين! هل سمعتِ؟
— لا يُمكن أن تؤثر عليَّ وعلى اختياراتي بهذا الشكل، ظننتك ستسعد عِند سماع هذا.
ابتسمت، هذه الفتاة ليست من طراز الكتاب الجبناء، فربما من المتمردات التي تغضب في وجه أبيها فقلت لها مباشرةً:
— لكِ حرية الرأي، ولي اتخاذ القرار، لن تَكتُبين أبدًا
***
أزهاري... أفكاري
كل دفاتر كتاباتي
وأشعاري
تراب في تراب
مرت بجانبي "سارة" وأنا أشاهد فيديو يُغني فيه الكاتب "أحمد خالد توفيق" هذه الكلمات التي كتبها هو فلاحظت أنها شاهدتني وتعرفت على الصوت فنظرت لي متعجبة، فقلت لها: هل هذا هو الرجل الذي تقرأين له؟ إنه واهن ضعيف يبدو عليه اليأس والضعف
قاطعتني وقالت لي:
— توفي منذ فترة بعيدة، فلا يجب أن تسخر منه بهذا الشكل.
أصابتني رعشة في جسدي توفي العراب!! لا يُمكن، لم أظن أن هذا الرجل سيموت يوماً!
— توفي!!... أحمد خالد توفيق!
دعك من الأسئلة والشكوك التي دارت حولي من ابنتي وقتها، هذه الأسئلة من طراز، هل تعرفه؟ هل قرأت له يوماً؟ هل تقرأ من الأساس؟ لكني لم أستطع النوم يومها، شعرت بأن جزءًا من روحي قد فُقد إلى الأبد، ظللت طوال اليوم أكرر المقطع الذي كُنت أستمع له وحاولت أن أنام ليلتها ولكني لم أستطع
ممددًا ظهري إلى سريري، وبجواري 120 كيلوجرامًا من اللحم البشري يُسمى "سميحة"
حاولت أن أفتح حواراً معها لأول مره أتذكرها في حياتي
— سميحة؟
— هاه؟
— هل أنا شخص سيء؟
— ممم
— أجيبيني!
— نعم، أنت أسوأ مما تعتقد
كان من المفترض أن تقول لي أنني شخص رائع مر بظروف سيئة! ولكنها لم تفعل، أحياناً أظن أن مَن هم مثل "سميحة" ينتمون إلى "برج الكلب"
نهضت من سريري، تسللت إلى غرفة "سارة"
أخذت سماعات الرأس خاصتها
ثم خرجت وجلست أمام جهاز الكمبيوتر
شغلت موسيقى عشوائية رُبما هيَ لـ"هانز زيمر" أو رُبما "شوبان"، لا أدري ولكني أظن أنني سمعتها منذ سنوات.
وفتحت صفحة "ورد"
ولأول مرة منذ سنين أنا في حاجة إلى أن أكتب!
عجباً لهذا العالم...
تعالوا يا أطفال وشاهدوا العم فؤاد بائع الآيس كريم...
يستمع إلى موسيقى أجنبية ويَكتُب
رُبما لم أصبح أفضل كاتب في العالم، ولم تُصبح حياتي كما تمنيت
ولكنني لا زلت قادراً على الكتابة
ثم بدأت...
***
تسعة عشر عامًا بدون كتابة... ثم العودة من جديد، هذه هي الحياة التي كُنت أبحث عنها طوال حياتي، كنت أفتش عنها في الخارج، وهي هُنا في منزلي، أو رُبما في كُل مكان كان بإمكاني أن أكتب فيه! يا لها من معجزة أن أعود، ترى ماذا ستقول "أميرة" إن عرفت هذا؟ عفواً... لقد نسيت، نسيت أنني لم أتزوجها، وأن حياتي معها التي أتخيلها كل ليلة قبل النوم لم تَكُن سوى أحلام يقظة... حسناً رُبما هذا أفضل شيء يُمكنني فعله، سأكتب عن هذا الحُب القديم الذي لم أنله، سأكتب عن الفتاة التي كان يخشى القمر الظهور في طلتها، حتى لا يحرج نفسه بالمقارنة معها... سأكتب عن أميرتي التي لن أنلها أبداً.
***
"أميرة"... أعرف أنكِ لن تقرأي هذا أبداً، ولكن سأكتب لكِ سأكتب متخيلاً أنك ستقرأين يوماً ما... كما تخيلت حياتي معكِ طوال السنين الماضية... كيف حالك؟ هل تزوجتِ؟ لا أعلم كيف يُمكن أن يكون شكلك بعد كل هذه السنين؟ لقد خذلتك يا عزيزتي ولم أكُف عن التدخين، رُبما قررت كثيراً، ولكن... لم أستطع، فـأنا أتحدث إليكِ الآن وفي يدي "سيجارتي"
هل تعرفين؟ لقد دمرتِ حياة عائلة كاملة بكلماتك الأخيرة لي... قُلت أنني ضعيف، فأردت استعراض قوتي، فلم أجد أضعف من عائلتي المكونة من زوجة عاهرة وابنة تُشبهني، لقد اكتشفت اليوم فقط أنها تُشبهني هل تتخيلين ذلك؟ إنها تقرأ لـ كامو وأحمد خالد توفيق! أقسم لكِ أنا لم أعلمها ذلك، فقد اكتشفته الليلة فقط!!
أنا لا أعرف ماذا حدث يا أميرة لماذا لسنا سوياً الآن؟ فلم تحترق النجوم، ولم تفنى العوالم، ولم تذبل الشموس!
يبدو بأن خطأً لا أفهمه قد حدث، ولكن على كُل حال، لم يُعد لكلامي معنى، ولن نُصبح سوياً أبداً
ليس هُنالك شيئٌ أصعب من أن تشتاق لشيء تعرف أنه لن يكون من نصيبك أبداً
**
أنهيت كلماتي ولم أضغط حتى زر الحفظ أو الحذف فقد قُمت من مكاني
دخلت المطبخ الضيق، فتحت إحدى الأرفف المخصصة للتوابل
ثم وجدت ما أبحث عنه
عُلبة بيضاء متألقة وسط هذه الكومة من التوابل
مكتوب عليها بخط أسود
"سم فئران"
أشعلت سيجارة أخيرة
وأعلنت أن هذه هي نهاية قصة حُبي الأبدية مع هذا التبغ
أعرف أنك الشيء الوحيد الذي بقى معي حتى النهاية، ولكن سامحيني يا أدخنتي العزيزة
فعليَّ الرحيل الآن
عليَّ الرحيل، وأنا في غاية قوتي.
टिप्पणियाँ 0
सबसे पहले बातचीत शुरू करें।