13 مارس - 2000في إحدى الأحياء الشعبية في القاهرة، ينهض (آسر) من نومه فيجد نيللي زوجته تنظر له، فابتسم قائلًا:
- أظن أني سأموت ذُعرًا بسبب نظرتك تلك يومًا ما
ابتسمت نيلي وقالت:
- أشعر بخوفٍ دائم، فلا أشعر بأمان إلا بالنظر إليك ..
ضمها إلى صدره العاري وقال:
- لدي مباراة الليلة
تأففت نيللي مُعترضه على لعبه لهذا النوع من المباريات، فمرت أشهر على زواجهم ووعدها منذ البداية
بأنه سيترك مباريات الملاكمة غير الشرعية بعد أن يجد وظيفة مناسبة يُمكنهم عيش حياة كريمة بها، ولكنه من وقتها لم يبحث حتى
هذه هي مشكلتهم الأشهر، فدائمًا ما يكون سبب عراكهم، هو استمراره في مباريات الملاكمة غير الشرعية (ملاكمة المراهنات) أي أنه يُلاكم شخصًا إلى أن يفقد أحدهم وعيه، والفائر يحصل على حفنة جنيهات من مدير الصالة
ويكسب مُدير الصالة ألاف الجنيهات من المراهنة على المتلاكمات من الحضور
قالت نيللي لآسر كثيرًا، بأنه يُراهن على حياته، وأن هذا حرام
ولكنه دائمًا ما كان يعدها، بأن هذا وضعًا مؤقتًا، وأنه قريبًا سيحيا معها الحياة الهادئة التي تتمناها، ولكن سبب ضيقها، بأن (قريبًا) التي يقوها آسر، لا تأتي ابدًا
لاحظ آسر شرودها، فقال:
- اعرف ما تُفكرين به، وصدقيني، هذا ليس وقتًا منُاسبًا أبدًا للمشاكل
تأفتت مُجددًا وقالت:
- لن أناقشك اصلًا، لقد مللت من كثرة حديثنا في هذا الموضوع
ثم ألتفتت سرعًا ووجهت أصبعها إلى وجهه في حركة كرتونية قائله:
- لكن عدني أيها السيد أن تعود بخير
فرفع حاجبه وقال:
- ما رأيك أن تأتي معي، وتشاهديني؟
فقالت بأستهزاء:
- على اساس إنني سأشاهدك في مباريات كأس العالم!
تنهدت وقالت:
- صدقني لن استطيع أن أراك تُضرب
رفع حاجبيه في استنكار للجملة وقال:
- من قال إنني أضرب
ضحكت نيللي وقالت:
- الكدمات على وجهك أيها السيد تحكي كُل شيء، أتظنني لا اعرف لغة الكدمات؟ لقد أصبحت خبيرة في قراءتها
ابتسم وضمها
دخل آسر ليستحم وظلت نيللي تُفكر في حياتها، وخوفها الدائم من المُستقبل منذ كانت صغيرة، لم يَكُن لها في هذه الدُنيا سوى والدها، وبعد وفاته، وجدت نفسها في ملجئ للأيتام، وبعد بلوغها السادسة عشر، أصبحت تتأرجح من وظيفة إلى أخرى ومن بيت إلى الآخر، ولكن ما كانت تفخر به دائمًا، هو أنها حافظت على نفسها وعلى سمعتها، حتى تعرفت على آسر بعد بلوغها التاسعة عشر، كانا يتشاركان في أن ظروفهما سيئة، الشاب الذي بلغ عامه العشرين من أشهر، يتزوج من بنت الملجئ صاحبة التاسعة عشر عام، ويعيشون في منطقة شعبية
لم تَكُن تتمنى حياة أكثر سعادة، ولكن كل ما بحثت عنه في حياتها ولم تجده حتى مع آسر هو الأمان، فأين الأمان عِندما يُراهن آسر على حياته مقابل حفنة جنيهات كُل يوم؟
أليس من المُمكن أن يموت يومًا على هذه الحلبة اللعينة؟
كانت هذه الأفكار العبثية تطاردها دائمًا، حتى تنهدت لتصرف تلك الأفكار عن رأسها
نادت آسر وقالت:
- سأخذ مالًا من محفظتك، مصروف البيت قد أنتهى
فتحت المحفظة فوجدت في وجهها صورة (دينا) الفتاة التي كان يُحبها (آسر) ولم يتزوجا بسبب أنه لم يَكُن يملك المال الكافي، عِندما تتذكر تلك القصة دائمًا تشعر بأنها رخيصة!
أنها قبلت أن تكون بديله في حياة آسر، وتزوجت بلا مال تقريبًا، ولكن ما يؤلمها هو احتفاظه بصورتها حتى الآن!
هذا لم تَكُن تتوقعه
خرج آسر من الحمام فوجدها تمسك الصورة وتنظر فيها بأعين دامعة، فقالت آسر:
- لماذا فتحتي حافظة نقودي؟
نظرت له ولم تتحدث فضمها إلى صدره وقال:
- عزيزتي أخبرتك مرارًا بأن هذه القصة قد أنتهت، ألا تُصدقيني؟
هزت رأسها إيجابًا وقالت:
- أصدقك .. أصدقك بدليل وجود صورتها في حافظة نقودك إلى الآن
نظرت إلى الأرض، وظلت تبكِ بصوتٍ مكتوب وهي تُكرر:
- هل تريد دليل آخر؟ الوشم على صدرك .. مكان القلب علامة (الأكس) التي رسمتها منذ عام، كي تقول بأن لا أحد سيدخل قلبك بعدها
أقترب آسر أكثر من نيللي وقال:
- صدقيني، هذه القصة أنتهت بالنسبة لي من يوم تزوجتك، الصورة .. أنا فقط نسيت أن أمزقها، وهذا دليل انها لم تَعُد تعني لي شيئًا
لم تتحدث نيللي، فقط نظرت إلى قسمات وجهة التي لم تصدقها، وتشبتت أكثر في ذراعه على الرغم من حُزنها
داعبها قائلًا:
- فقدتي الكثير من الوزن هذه الأيام، إذا رأكِ أحدهم سيقول أنني لا أملك المال لأطعامنا فضحكت وقالت
= فعلًا؟ هل فقدت الكثير من الوزن، أنا أسعى لهذا منذ فترة، أنت تعرف
هز رأسه مؤكدًا، وقبلها وهو يقول:
- هذه القبلة كافية بأن تجعل قلبي يخلو من أي أحد سواكِ، كافية بأن تُنسيني الدُنيا كلها
ابتسمت مرة أخرى
على الرغم من معرفتها بأنه دائمًا قدر على أن يُنسيها أحزانها بكلامه المعسول وضحكته البريئة، إلا أن غيرة الأنثى لن تتركها
فقد وجدت صورة لحبيبة زوجها السابقة في حافظة نقوده من دقائق فلا يُمكن أن تنسى هذا املوقف بسهولة ابدًا
أمسك آسر يدها وقال:
- ماذا سنأكل من هذه الأيدي الجميلة اليوم
= ما تشتهيه
- أي ما ستطبخيه سيكون رائعًا، لأنك صنعتيه بيداك أيتها الفاتنه
قالها وهو يرتدي باقي ملابسه، ويضع أدواته في حقيبته أقترب أكثر من نيللي وقبلها مُجددًا، وطلب منها أن تدعو الله أن يوفقه وأن يفوز في مباراة اليوم، لأن الخصم قوي
فقالت نيللي إنها ستفعل
في طريقه للخروج نادت نيللي على آسر مرة أخرى وقالت:
- عدني أن تكون بخير، أنت تعرف إنني حزينة لأمر الصورة، ولكن أنا لا أتمنى أبدًا أن يُصيبك مكروه، فأتمنى أن تكون بخير، عدني أن تفعل ما بوسعك كي لا تتالم
ابتسمت وهز رأسه في إشارة معناها (اعدك بأن افعل) على الرغم من أن جسده لازال يؤلمه من آخر نزال قد خاضه، ولكن حاجتهم للمال جعلته في حاجه لأن يواصل، فبقائه في المنزل ليوم واحد معناها أنهم لن يجدوا قوت يومهم، ولهذا فعليه أن يُلاكم دائمًا لأجل المزيد من المال، دائمًا ما يقول لنيللي هُناك أشخاصًا يترك الفقر علاماته عليهم بالجوع، وهو الفقر يترك كدمات على وجهه بعد كُل مُباراة، وعدها مرارًا بأنه لن يجعلها في حاجة لشيئًا ما طوال أنه على قيد الحياة، ولكن كُل ما تحتاجه نيللي هو (آسر) الأمان الذي لم تجده .. هذا ما لم يُدركه
قرر آسر أن يُفاجئ (نيللي) بهدية حين يعود، حتى يُنسيها أمر الصورة
هل يُحبها؟ هو لا يعرف، ولكنه يُحب حُبها له، يُحب تعلقها به، يُحب كونه ملاذها الوحيد
يُحب أن يكون الأشخص الأهم في الكون ولو لشخص واحد في الحياة، وهذا ما لم يجده قبل أن يعرف نيللي، ولهذا هي تستحق منه كُل ما هو جميل، وهذا ما يسعى له آسر دائمًا، أن يجعل حياتها جميلة كجمال قسمات وجهها.
टिप्पणियाँ 0
सबसे पहले बातचीत शुरू करें।