«اتجوزت كبير العيلة بدل أختي» الفصــل الجديد — إنتوا عايزين تجوزوني لراجل أختي هربت منه؟! يعني علشان تنقذوا سمعتكم تدفنوني أنا بالحيا؟! حرام عليكم! أنا لسه بدرس، ولسه قدامي مستقبل وأحلام!
صرخت بالكلام ده وأنا واقعة على ركبتي قدام أبويا، وببوس إيده وبترجاه يرفض اقتراح عمي.
لكن عمي حسان ضر.ب بعصايته على الأرض وزعق:
— جومي يا بت من مكانك! إنتِ مش فاهمة حجم المصيبة اللي إحنا فيها! بكرة الفرح، والهوارية لو عرفوا إن عروستهم هربت، مش هيسيبونا نرفع راسنا وسط الخلج!
رفعت وشي وبصيتله من تحت نقابي الأسود وقلت بصوت مخنوق: وأنا ذنبي إيه يا عمي؟! هو أنا اللي هربتها؟ ولا أنا اللي وافقت على الجوازة من الأول؟!
أبويا زعق لأول مرة:— وطي صوتك يا أسما! إنتِ بتتكلمي مع عمك!
سكت، لكن دموعي كانت نازلة من غير ما أحس...
أنا أسما وهدان، عندي واحد وعشرين سنة، طالبة في تالتة طب، أزهرية من صغري، وحافظة كتاب ربنا، وعمري ما رفعت صوتي على أبويا ولا أمي.
كنت بحلم أبقى دكتورة، وأفتح عيادة أعالج فيها الغلابة، وأكمل دراستي وأتخصص في جراحة القلب.
ورغم إن ربنا رزقني بجمال كان حديث ستات العيلة، عمري ما اهتميت بالكلام ده.
من يوم ما لبست النقاب وأنا في أولى جامعة، وأنا شايفة إن جمالي نعمة تخصني، مش حاجة أتفاخر بيها قدام الناس.
أختي لين كانت عكسي تمامًا.جميلة وجريئة، بتحب الخروج والفسح واللبس، وكانت دايمًا بتقول لي:
— يا بنتي إنتِ عايشة كأنك ست عندها خمسين سنة! افرحي بشبابك شوية!
وكنت أضحك وأقول لها:— كل واحد يا لين بيفرح بطريقته.
لكن عمري ما تخيلت إن فرحتها هي هتبقى سبب تعاستي.
رجعت أبص لأبويا وأنا بقول:— يا بابا، أنا مش موافقة، والجواز من غير رضايا مينفعش. إنت اللي علمتني ديني، وقلتلي إن البنت ليها حق تختار جوزها.
أبويا وطى راسه,ولأول مرة في حياتي شوفته عاجز عن الرد.
عمي حسان قال بضيق:— يا بنت أخويا، ناصيف الهواري تتمناه بنات البلد كلتها! راجل سيد الرجالة، كبير عيلته، وعنده أرض ومال وهيبة، وإنتِ هتعيشي معاه ست الستات!
قلت وأنا بمسح دموعي:— طب ما هو لو كويس بالشكل ده، أختي هربت ليه؟
سكت عمي لحظة، وبعدين رد بعصبية:— أختك عقلها خفيف، وضيعت نصيبها بإيدها!
— وأنا مش هبقى بديلة عنها يا عمي!
أمي قربت مني، ومسكت إيدي وهي بتعيط: علشان خاطري يا أسما... أبوكي تعبان، والموضوع أكبر مننا.
بصيت لها بصدمة:— حتى إنتِ يا ماما؟!
قالت وهي بتتهرب من عيني:— أنا عايزة أحمي بيتنا يا بنتي.
سحبت إيدي منها، وقمت من مكاني.
— وأنا مين يحميني؟محدش رد.
دخلت أوضتي وقفلت الباب، وقعدت على سجادة الصلاة أبكي.
مش علشان خايفة من الجواز وبس.
لكن علشان كنت حاسة إني بقيت مجرد حل لمشكلة، مش بنت ليها قلب ومستقبل،وفجأة افتكرت كلام لين من أسبوع.
كانت قاعدة قدامي على السرير، وبتلف دبلة الخطوبة في صباعها بعصبية.
— أسما، إنتِ عمرك شوفتي ناصيف الهواري؟
قلت لها:— لا، بس سمعت عنه، ضحكت بسخرية:— يا بختك! ده راجل يخوف الحجر.
استغربت:— ليه يعني؟
— علشان محدش يقدر يقول له لأ! حتى أبوه بيحسب له حساب!
قلت لها وقتها:— يمكن الناس بتبالغ.
بصتلي نظرة غريبة وقالت:— لو عرفتي حكايته مع مهيرة أخته، هتعرفي إني مش ببالغ.
وقبل ما أسألها، قامت وسابتني.
دلوقتي بس بدأت أفهم خوفها.لكن اللي مكنتش أعرفه إن ناصيف الهواري نفسه كان شايل أسرار محدش في البلد يعرفها.
......
في الناحية التانية من البلد، كان ناصيف الهواري قاعد في مكتبه الواسع، قدامه ملفات وأوراق وموبايلين.
ناصيف عنده خمسة وتلاتين سنة، طويل وعريض الكتفين، بشرته قمحية، وملامحه حادة، وعينيه سودا فيها نظرة تخلي اللي قدامه يفكر ألف مرة قبل ما يتكلم.
كان معروف وسط البلد إنه كبير عيلة الهواري، وصاحب أراضي زراعية واسعة.
لكن محدش من أهل البلد يعرف إن ناصيف مهندس مدني، وصاحب مجموعة شركات مقاولات واستثمار عقاري في القاهرة والخليج.
كان بيدير شغله من مكتبه الخاص، وبيسافر القاهرة باستمرار، لكن عمره ما اتباهى بثروته ولا اتكلم عن حجم أعماله.
حتى أغلب قرايبه كانوا فاكرين إن فلوسه كلها من الأرض والورث.
والحقيقة إن ناصيف بنى الجزء الأكبر من ثروته بنفسه.دخل عليه صاحبه ومدير أعماله، المهندس سليم.
— يا عريس، هو إنت ناوي تفضل شغال لحد ليلة فرحك؟
ناصيف رفع عينه من الورق:— في مشكلة في مشروع القاهرة؟
— لا، المشروع تمام، بس المشكلة فيك إنت!
— مالي؟
سليم ضحك:— أول مرة أشوف عريس بكرة فرحه، وقاعد يراجع مقايسات خرسانة!
ناصيف قفل الملف وقال ببرود:— الجواز مش معناه إن الدنيا تقف.
سليم قعد قدامه وسأله بجدية:— ناصيف، إنت متأكد من الجوازة دي.
ناصيف بصله:— تقصد إيه؟
— أقصد إنك عمرك ما قعدت مع لين قعدة تعرف فيها شخصيتها، ولا حتى اتكلمت معاها كفاية.
ناصيف اتنهد:— الخطوبة تمت برضاها ورضا أهلها، وأنا كنت واضح من البداية. لو مش موافقة، الباب كان مفتوح.
سليم هز راسه:— بس الجواز مش مجرد اتفاق بين عيلتين.
ناصيف سكت لحظة، وبعدين قال:— عارف.
— أمال وافقت ليه؟
ناصيف بص ناحية الشباك:— علشان أمي نفسها تشوفني متجوز، وعلشان كنت فاكر إن لين بنت مناسبة.
سليم ابتسم:— وطلعت بتحبها؟ انت شوفتها أصلا؟ اعرفها!
ناصيف رد بجدية:— الحب مش كلمة تتقال قبل ما تعرف الإنسان اللي قدامك. المودة بتيجي بالعشرة والاحترام.
وقبل ما سليم يرد، الباب اتخبط.دخلت مهيرة، أخت ناصيف الصغيرة.
كانت بنت جميلة، عندها أربعة وعشرين سنة، وشخصيتها قوية شبه أخوها.
— ناصيف، عايزاك في موضوع مهم.
سليم قام يستأذن، لكن مهيرة قالت بسرعة:— خليك يا سليم، الموضوع مش سر.
ناصيف رفع حاجبه:— خير يا مهيرة؟
قالت بحدة:— أنا مش مرتاحة للجوازة دي.
ناصيف سند ضهره للكرسي:— وده ليه؟
— علشان لين وهدان!
— مالها؟
مهيرة اترددت، وبعدين قالت:— إنت عارف اللي حصل بيني وبينها أيام المدرسة.
— وعارف إنكم كنتوا صغيرين.
— بس هي لسه زي ما هي! متكبرة ومغرورة، وبتكرهني!
ناصيف قال بهدوء:— خلافك معاها مش سبب إني أظلمها.
مهيرة قربت من المكتب:— طب لو قلتلك إني حاسة إنها مش عايزاك أصلًا؟
ناصيف رفع عينه فجأة:— عندك دليل؟
— لا، بس...قاطعها:— يبقى متحكميش على حد من إحساسك.
مهيرة سكتت، لكن قبل ما تخرج قالت:— أنا بس خايفة عليك يا أخويا.
ناصيف ابتسم ابتسامة خفيفة:— متخافيش عليا.
لكن بعد خروجها، فضل باصص قدامه شوية.
كان فيه إحساس غريب بيقوله إن الجوازة دي مش هتتم بالشكل اللي الكل متوقعه.
الساعة كانت قربت على اتناشر بالليل...كنت قاعدة على سريري، قدامي كتب التشريح والفسيولوجي، لكن عقلي مش قادر يستوعب حرف.
سمعت خبط خفيف على الباب:— أسما... افتحي يا بنتي.
كان صوت أبويا...قمت وفتحت.
دخل وقعد على طرف السرير، وبص للكتب اللي قدامي.
— لسه بتذاكري؟قلت بحزن:— بحاول.
سكت شوية، وبعدين قال:— إنتِ عارفة إني عمري ما قصرت معاكي يا بنتي.
قعدت جنبه:— عارفة يا بابا.
— وعارفة إني كنت فخور بيكي لما دخلتي طب.
دموعي نزلت:— طب ليه عايز تضيع كل ده؟
أبويا مسك إيدي:— أنا مش عايز أضيع مستقبلك يا أسما.
— أمال عايز إيه؟!بصلي بعينين مليانين وجع:
— عايز أحميكي إنتِ وأختك وأمك من كلام الناس ومن غضب الرجالة.
قلت بسرعة:— بس ناصيف لو راجل محترم مش هيقبل يتجوز واحدة غصب عنها.
أبويا سكت...كملت:— خليه يعرف الحقيقة، وسيب القرار ليه.
قال بصوت واطي:— عمك راح يكلمه.
اتجمدت مكاني:— إيه؟!
— راح له من نص ساعة.حسيت إن قلبي وقف.
— وقال له إيه؟!أبويا رد: معرفش لسه.
وفي اللحظة دي، موبايله رن...كان عمي حسان.
أبويا رد بسرعة:— أيوه يا حسان... عملت إيه؟
سكت يسمع...وشه اتغير.
— يعني إيه؟!قام واقف فجأة:— طب وإنت فين دلوك؟
وبعد ثواني قفل المكالمة.قربت منه وأنا مرعوبة:
— حصل إيه يا بابا؟
بصلي وقال:— ناصيف عرف إن لين هربت من قبل ما نقوله
بلعت ريقي بصعوبة:— وقال إيه؟
أبويا مسح وشه بإيده:— جاي هنا بنفسه.
بعد أقل من نص ساعة، سمعنا صوت عربية وقفت قدام البيت.
بصيت من الشباك...عربية سودا فخمة نزل منها ناصيف الهواري
كان لابس جلابية صعيدي سودا، وعلى كتفه شال غامق.
ماكانش معاه غير عمي حسان.أمي أول ما شافته، حطت إيدها على صدرها:— يا ستير يا رب!
أبويا خرج يستقبله...وأنا فضلت واقفة ورا باب أوضتي، بسمع كل كلمة..ناصيف دخل، وسلم على أبويا، وقعد في الصالة.
صوته كان هادي بشكل يخوف.
— عم وهدان، انا عرفت اللي حصل وعمي حسان حكالي اللي حصل...
أبويا رد بصوت مكسور:— حقك علينا يا ولدي، وإحنا تحت أمرك في أي تسويه ترضيك..
ناصيف قال بحزم: مفيش حد تحت أمر حد يا عم وهدان. بنتك مش عايزة الجوازة، وده حقها.
اتسعت عيني من الصدمة:هو قال إيه؟!
بنتك مش عايزة الجوازة وده حقها؟! بس اللي غلط .. قاطعه عمي حسان بسرعة:— بس يا ناصيف، إحنا عندنا حل يحفظ مقام العيلتين.
ناصيف بصله باستهزاء :— حل؟حل إيه؟ والفرح بكره
— أسما، أخت لين...ساد صمت طويل...وبعدين سمعت صوت ناصيف ببرود بيقول:— ومالها أسما؟
عمي تتنهد وقال:— هنعقدلك عليها بديل لأختها يابني
ناصيف رد بحدة:— أنا مش جاي أشتري بضاعة يا عمي حسان علشان تقولي دي أحسن من دي!
اتخضيت من نبرته.عمي سكت...
لكن رجع دار حوار كبير لحد ما ناصيف اتنهد وقاله :— هي موافقة؟ #حصري
أبويا اتردد:— البت... يعني...
ناصيف قاطعه:— سألت سؤال واضح يا عم وهدان. أسما بنتك موافقة تتجوزني؟ #الكاتبه_اسما_السيد
أبويا وطى راسه:— ايوا يا ولدي
سمعت صوت الكرسي بيتحرك.ناصيف قام واقف...
= تمام كل حاجه ماشيه زي ما اتفقنا...
قلبي وقع في رجلي لكن قبل مااخد نفسي سمعت صوته الآمر بيقول اللي صدمني