لم أعرف لماذا امتلأت عيناي بالدموع…ربما لأنني كنت أحتاج إلى شخص يدافع عني دون أن أضطر إلى الدفاع عن نفسي… كمل كانت تفعل امي دائما التفتت حماتي نحوي، وتبدلت نبرتها=تعالي يا بتي.
اقتربت منها…فوضعت كفها فوق خدي= مالك يا حبيبتي؟ ناصيف زعلك؟
هززت رأسي بسرعة= لأ يا أمي… هو بس كان متعصب… وانا زعلت لزعله .
تنهدت= ناصيف لما المصايب تيجي على دماغه، بينسى الدنيا كلها، حتى نفسه… واللي حصل اليوم مش قليل.. اسطبل الخيول راح فيه ملايين يا بتي غير أنه غالي علي ولدي اوي اوي
أمسكت يدي=بس ده مش معناه إن من حقه يزعلك. وأنا هكلمه لما يرجع…
قلت بسرعة= لأ، بالله عليكي ما تكلميه! أنا مش عايزة أحسسه إني بشتكي منه… هو لسه حق هو جبل يعني.. لو مفشش خلقه في مرته مين يشيل عنه..
ابتسمت بحزن= الله يكملك بعقلك يا بتي..
ثم أضافت:اطلعي ارتاحي، وأنا هخلي زينة تطلعلك الأكل…صعدت إلى جناحي، وأنا أحمل في قلبي شعورين متناقضين…الامتنان لحماتي…..والوجع من ناصيف… رغم اني أتفهم مصابه جدا.. لكنه قلب الانثي..
عند إسطبل الهواري…لم يكن ناصيف يتخيل أن يرى ذلك المكان بهذا الشكل…كانت رائحة الدخان تملأ الهواء، والجدران السوداء تقف كأنها شواهد على كارثة…أرض الإسطبل التي طالما امتلأت بصهيل الخيول وحركة العمال، تحولت إلى مساحة من الرماد والخشب المحترق…وقف ناصيف عند المدخل، لا يتحرك…اقترب منه سليم بحذر= احمد ربنا يا ناصيف..
لم يرد…كانت عيناه تتحركان بين الحظائر المدمرة.
ثم سأل بصوت منخفض: كام راس راح فيها؟
تردد سليم= لسه بنحصرها… بس كبيرة يا ناصيف… بس الحمدلله قدرنا ننقذ الخيول الأصيلة
= والناس؟
= اتنين في المستشفى، والباقي خرجوا بالسلامة.
أغمض ناصيف عينيه لحظة…
= خلي حساب علاجهم كله علينا، ومرتباتهم ماشية لحد ما يرجعوا شغلهم.
= حاضر…تحرك ناصيف بين الحطام…ثم توقف فجأة.
كان أحد العمال يقف أمام حظيرة محترقة، وعيناه حمراوان…سأله ناصيف بخوف عمر قلبه:فين شاهين؟
خفض العامل رأسه.. ولم يجب…اقترب ناصيف خطوة. وهتف بغضب=سألتك شاهين فين؟!
نظر العامل إلى سليم، ثم قال بصوت مكسور:
— البقية في حياتك يا كبير.
تجمد ناصيف=شاهين!
الحصان الأسود الذي اشتراه له والده قبل وفاته بسنوات.
لم يكن أغلى خيوله ثمنًا….لكنه كان أغلاها عند قلبه.
تقدم ناصيف ببطء، ونظر إلى الحظيرة المحترقة.
ثم وضع يده فوق الخشب الأسود…لم يبكِ…لم يصرخ.
لكن سليم، الذي عرفه سنوات طويلة، أدرك أن صمته أخطر من غضبه.
— ناصيف…
قال ناصيف بصوت مبحوح: أبوي جابهولي وأنا لسه صغير… فاكر يا سليم؟
= فاكر.
= كان بيقولي الراجل مش بيتقاس باللي يملكه… بيتقاس باللي يقدر يحافظ عليه.
ابتلع غصته= وأنا النهارده معرفتش أحافظ حتى على آخر حاجة كان بيفرح لما يشوفني راكبها.
اقترب سليم=ده قضاء ربنا يا صاحبي.
أومأ ناصيف، ثم استدار= عايز تقرير كامل عن سبب الحريق. وكل اللي كان موجود هنا يتسأل، وكاميرات المراقبة تتراجع، والجهات المختصة تعاين المكان قبل ما حد يغير فيه حاجة=حاضر.
ثم أضاف بنبرة حادة:= ولو فيه إيد ولعت النار دي عمد… مش هسكت…هولع فيها بنفسي
رن هاتفه…أخرجه من جيبه…أسما.
ظل ينظر إلى الاسم طويلًا….تذكر وجهها حين أمرها بالعودة إلى السرايا.
وتذكر كلمة «يا كبير» التي قالتها بوجع لم يغب عن أذنيه.مد إصبعه ليجيب…ثم توقف.
نظر إلى الخراب المحيط به، وأعاد الهاتف إلى جيبه.
— مش دلوقتي يا بت وهدان… مش وأنا بالحالة دي.
كان يخشى أن يتحدث إليها فيجرحها مرة أخرى.
لكنه لم يدرك أن صمته نفسه كان يجرحها.
في بيت وهدان…
دفعت لين باب البيت ودخلت، وهي تحمل حقيبتها فوق كتفها…كانت تتوقع صراخًا..وربما بعض العتاب.
لكنها لم تتوقع أن تجد والدها واقفًا في منتصف الصالة، ووجهه محتقن بالغضب.
— رجعتي ليه يا خاطيه!
رفعت لين حاجبها.
— رجعت بيتي يا بابا.. عموما مساء الخير
اقترب منها.
— مساء إيه يا قليلة الحيا؟! إنتِ عارفة عملتي فينا إيه؟!
خرجت والدتها من المطبخ، وما إن رأتها حتى وضعت يدها فوق صدرها.
— لين؟! عندك عين ترجعي؟!
ألقت لين حقيبتها فوق الأريكة.
— هو أنا مش بنتكم ولا إيه؟!
صرخ وهدان:
— بنتي؟! البنت اللي تهرب ليلة فرحها، وتسيب أبوها يواجه الناس لوحده، وبعدين تروح تهدد أختها في بيت جوزها؟!
رفعت لين رأسها بتحدٍّ= تستاهل طول عمرها عينها علي اللي في أيدي وبعدين في. ايه مش لميتوا الليله والكبير اتجوز السنيوره الدلوعه.. خلاص ..
وفي لحظة غضب فقد وهدان أعصابه، وصفعها على وجهها.
شهقت الأم= يا وهدان! استهدى بالله!
تراجعت لين خطوة، ووضعت يدها فوق خدها، ثم نظرت إلى أبيها بذهول= إنت ضربتني؟!
قال وهو يرتجف من شدة انفعاله= أنا غلطان إني سيبتك تتمادي لحد ما وصلتي لكده! قليلة حيا وبجحه وحقيره ولولا الفضائح كنت طردتك كيف البهيمه
تدخلت الأم وهي تبكي.
— كفاية يا وهدان! الضرب مش هيصلح اللي حصل!
ثم التفتت إلى ابنتها= إنتِ ليه عملتي فينا وفي أختك كده يا لين؟ أسما عمرها ما أذتك! ليه يا بنتي دا احنا عمرنا مفرقنا بينكم في حاجه.. اسما مش تستاهل منك كده…دي دارت علي عارك بجوازها وادتك فرصه تانيه كيف البيضه المقشره
ضحكت لين بمرارة.
— أهو ده الكلام اللي طول عمري بسمعه! أسما ملاك، وأسما مؤدبة، وأسما دكتورة، وأسما أحسن مني!
قالت الأم: محدش قال إنك أقل من أختك!
صرخت لين= لأ! إنتوا قلتوا ده ألف مرة من غير ما تنطقوه!
ضرب وهدان كفه على الطاولة= جاوبيني عن سؤال واحد… هربتي ليه؟! ومع مين؟
صمتت لين..ثم ظهرت على وجهها ابتسامة غريبة.
— عايزين تعرفوا أنا هربت ليه؟اقتربت منهما.
— طب ما تسألوا ناصيف الهواري!
تجمد وهدان= ناصيف ماله؟!
ضحكت= اسألوه هو من البداية كان عايز مين!
اتسعت عينا الأم=قصدك إيه يا بنتي؟!
أخذت لين حقيبتها، واتجهت ناحية غرفتها.
ثم توقفت عند أول السلم، واستدارت إليهما.
— ولا أقولكم… اسألوا مهيره اخته!
قال وهدان بحدة: مهيرة بنت الهواري؟! دخلها إيه في الموضوع؟! انطقي
ابتسمت لين ابتسامة لم تحمل أي طمأنينة.
— لما تعرفوا الحقيقة… هتعرفوا إن أسما مش الضحية الوحيدة في الحكاية دي!
وصعدت، تاركة والديها في حيرة لم يعرفا لها تفسيرًا…
=بنتك لو انا راجل جاهل ومش عارف ربنا انا وأخوي كنا دفناها بالحيا.. بنتك عينك عليها وعرفيها أن رجلها خطت برا الدار هكسرها ليها
أما أنا…فقد مر اليوم ببطء مؤلم.
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، وأنا لا أعرف عن ناصيف شيئًا سوى الأخبار المتفرقة التي تصل إلى السرايا…اتصلت به مرة…ثم مرتين…وفي الثالثة أغلقت الهاتف قبل أن يرن طويلًا..لم أكن أريد أن أزعجه…لكنني كنت أريد أن أسمع صوته.
فقط صوته..أرسلت له رسالة:
«طمني عليك يا ناصيف. عارفة إنك متضايق، وأنا كمان زعلانة منك، بس مش لدرجة إني أستحمل أفضل خايفة عليك كده.»
ظهرت علامة قراءة الرسالة…انتظرت الرد.دقيقة.
عشر دقائق…نصف ساعة.لا شيء!
وضعت الهاتف فوق الفراش، ثم جلست أمام المرآة.
تأملت وجهي طويلًا.
بالأمس فقط، كنت فتاة تخاف من رجل تزوجته فجأة…واليوم أصبحت زوجة تنتظر عودة الرجل نفسه، وتشعر أن البيت كله موحش في غيابه.
يا الله!متى حدث كل هذا؟!ومتى أصبح غيابه ثقيلًا إلى هذا الحد؟!طرقت زينة الباب، ثم دخلت تحمل صينية الطعام.
= يا ست أسما، لازم تاكلي حاجة.
ابتسمت لها بتعب=ماليش نفس يا زينة.
— الكبير لو عرف إنك ما أكلتيش هيزعل.
نظرت إليها= هو الكبير افتكر أصلًا إن ليه ست مستنياه؟
ارتبكت الفتاة= يا ستّي، اللي حصل كبير واصل وخصوصا علي ناصيف بيه معلش اتحملي
تنهدت= وأنا مش زعلانة علشان عنده هموم… أنا زعلانة علشان مش سامحلي أشاركه فيها.
تركتني زينة بعد أن وعدتها أن أتناول شيئًا..لكنني لم أستطع…مرت الساعات… فقررت أن أدرس قليلا حتي يمضي الوقت ولا يفوتني شيء من دراستي ب
خلعت عباءتي وحجابي، وأطلقت شعري الطويل، وارتديت ثوب نوم قطنيًا خفيفًا ومريحًا، ثم تمددت فوق الفراش…… اكتب ما فاتني واندمجت كليا في دراستي.. لكن غلبني الارهاق..وآخر ما رأيته قبل أن أغمض عيني كان اسم ناصيف فوق شاشة المحادثة… لكنني لم أكن بالقدر الكافي من القدره لاجيبه..كنت غافيه كما الاموات..
لم أعرف متى عاد…لكن ناصيف
دخل جناحه بعد يوم كامل من التعب…كان وجهه شاحبًا، وعيناه مرهقتين، وثيابه تحمل آثار الغبار والدخان…أغلق الباب بهدوء…ثم توقف حين رآني نائمة بتلك الهيئة الصادمه..
اقترب من الفراش، وبقي واقفًا يتأملني بصدمه ، كان شعري منتشرًا فوق الوسادة، ووجهي خاليًا من أي زينة، وقد ترك البكاء الإرهاق خطا خفيفًا تحت عيني…جلس على طرف الفراش…ومد يده يبعد خصلة شعر عن وجهي.
— كيف الملاك حتي وانتي غافيه.. قالها بصوت هامس ثم تنهد… أنا اللي قولتلك هكون أمانك… وأول ما الدنيا ضاقت بيا، زعقتلك وسيبتك لوحدك…تأمل وجهي مرة أخرى حتى وإنتِ زعلانة مني، فضلتِ تسألي عليّا…انحنى وطبع قبلة خفيفة فوق جبيني…ثم نهض، وبدل ملابسه، وغسل آثار اليوم الطويل عن وجهه وجسده.
عاد بعد قليل، يرتدي ملابس منزلية مريحه بنطال من الكتان الابيض وتيشرت باللون الابيض ووقف أمام الفراش مترددًا…كان يستطيع أن ينام على الأريكة…وربما كان ذلك أكثر ما يستحقه بعد ما فعله…لكنه كان منهكًا…منهكًا إلى حد أنه لم يعد يريد من الدنيا كلها سوى لحظة هدوء… بين احضاني
التعليقات 0
كن أول من يبدأ الحكاية في التعليقات.