— إسطبل الخيول جادت فيه النار!
كانت آخر كلمات سمعتها من ناصيف قبل أن أشاهد تحولًا مرعبًا في ملامحه!
اختفت تلك الابتسامة التي كانت منذ لحظات تُربك قلبي، وتبددت النظرة الحانية التي اعتدت أن أراها في عينيه كلما التفت نحوي، ليحل محلها رجل آخر تمامًا!
رجل لم أعرفه إلا من أحاديث الناس عنه!
ناصيف الهواري… الكبير!نهض بعنف حتى اصطدم المقعد الخشبي بالأرض، وأعاد الاتصال بسليم وهو يتحرك ناحية الباب.
= سليم! النار وصلت لفين؟!جاءه صوت الرجل مضطربًا= المطافي وصلت يا كبير، بس النار ماسكة في الناحية الغربية كلها!
= والعمال؟!
= خرجنا أغلبهم… بس فيه اتنين اتصابوا!
توقف ناصيف لحظة= والخيول يا سليم؟!
ساد صمت قصير ثم جاء الرد الذي جعل وجهه يتغير بصورة أخافتني: ربنا يعوض عليك يا ناصيف…
لم ينتظر بقية الجملة…أغلق الهاتف، وأخذ مفاتيح سيارته، ثم اتجه إلى الباب بخطوات سريعة.
نهضت خلفه= ناصيف! استنى، أنا جاية معاك!
توقف فجأة، واستدار نحوي = جاية فين؟!
— معاك طبعًا! لازم أطمن على اللي حصل، ويمكن أقدر أساعد المصابين لحد ما يوصلوا المستشفى.
نظر إليّ نظرة حادة=إنتِ هترجعي السرايا مع السواق، وأنا هروح الإسطبل.
عقدت حاجبي= ليه؟ ما نروح سوا؟
= علشان المكان خطر يا أسما، ومش ناقصني أقلق عليكي إنتِ كمان.
اقتربت منه خطوة= بس أنا مش طفلة يا ناصيف، وبعدين أنا بدرس طب، وممكن أساعد معاك هناك…
ضرب بكفه على الطاولة القريبة حتى انتفضت= قولت لأ يعني لأ! هو أنا لازم أعيد كلامي مرتين؟!
تجمدت مكاني…لم يسبق له أن تحدث معي بهذه الطريقة… منذ عرفته، بل لاول مره أشعر بأنه غريب عني تماما..حتى حين كان غاضبًا من لين، لم يوجه لي تلك النظرة القاسية…حاولت أن أتمالك نفسي= ولا يهمك اللي انت شايفه ، أنا بس كنت عايزة أبقى جنبك في وقت زي ده..؟
— السواق هيوصلك السرايا يا اسما، وأول ما تدخلي تطلعي جناحك، مفهوم؟! اياكي تختلطي بحد لحد ما ارجع
نظرت إليه طويلًا…أكان هذا الرجل نفسه الذي كان منذ دقائق يحتضنني ويخبرني أن قلبي أصبح وطنه؟!
ابتلعت غصة مؤلمة، وقلت بصوت حاولت أن أجعله ثابتًا= مفهوم يا كبير.
تغيرت عيناه للحظة، وكأنه انتبه أخيرًا إلى نبرة صوتي.
— أسما…
قاطعته وأنا أبتعد: اتفضل شوف شغلك يا ناصيف، ربنا يسترها معاك…لم أنتظر رده
استدرت، ومضيت إلى السيارة التي طلب من السائق أن يعيدني بها إلى السرايا.
جلست في المقعد الخلفي، وأدرت وجهي ناحية النافذة…لم أبكِ…ليس لأنني لم أتألم، بل لأنني كنت أحاول أن أفهم كيف يستطيع الإنسان أن يشعر بالأمان مع شخص، ثم يخاف منه في اللحظة التالية!
وصلت السرايا بعد أقل من ساعة…كان الخبر قد سبقني…الخدم يركضون في الممرات، والرجال يتحدثون في الفناء، والنساء مجتمعات في الصالة الكبيرة…وما إن دخلت حتى التفتت نحوي سيلين بابتسامة لم أرتح لها
= جدمك فقر ونحس … خربتيها من اولها..
تجاهلتها، وواصلت طريقي ناحية الدرج…لكن الحاجة بخيتة أوقفتني بصوتها المرتفع:
— استني يا بت وهدان! هو ناصيف سابك ورجع لشغله اللي جبتي أجله بجدمك النحس يا بت وهدان ولا ايه؟..
التفت إليها بأدب = حصل ظرف طاريء يا طنط..
ضحكت سيلين بخبث= طنط.. دي بتقول طنط ام قدم فقر ونحس..
شعرت بالحرارة تصعد إلى وجهي…كيف وصل إليهن ما حدث بهذه السرعة؟! لكن الحاجة بخيتة هتفت وهي تهز رأسها= ! الدلع بتاع أول يومين خلص، وابتدى الجد! عيشي عيشة اهلك يا بت وهدان..
ضحكت سيلين= يا حرام! شكل العروسة كانت فاكرة إنها هتلف الكبير على صباعها!
توقفت قدماي…كنت أستطيع الرد…بل كان في رأسي عشرات الردود التي تصلح لإسكاتهن.
لكنني كنت متعبة…ومتعبة جدًا.قلت بهدوء:عن إذنكم.
وقبل أن أتحرك، سمعت صوتًا قويًا يأتي من خلفهن.
— استنّي مكانك يا أسما!
التفتُّ…كانت حماتي واقفة عند باب الصالة، وملامحها غاضبة…اقتربت منا، ثم وجهت حديثها إلى سيلين والحاجة بخيتة.
— هو مفيش عنديكم شغلة غير مرات ولدي؟!
حاولت سيلين التظاهر بالبراءة= يا خالتي إحنا بنهزر معاها!
— لا متهزريش والزميل حدك معاها .. دي مرت الكبير..ثم نظرت إلى الحاجة بخيتة.
— وبعدين انتي عارفه زعل الكبير واعر اوي يا حاجه..
اعترضت الحاجة بخيتة= انتِ هتكبرّي الموضوع ليه يا مرت أخوي؟!
ردت حماتي بحزم: علشان الموضوع كبير عندي! أسما مرات ناصيف، وبنتي من يوم ما دخلت البيت ده، واللي يوجعها بكلمة يبقى وجعني أنا! وليها مني حق الرد علي كلامكم..
التعليقات 0
كن أول من يبدأ الحكاية في التعليقات.