ديسمبر — الفصل 06أحمد سمير حسن
ظلام.
لا شيء غيره. ولا تريد أن ترى شيئًا آخر حتى تصل إلى النهاية.
شهيق…
زفير…
بكاء…
الفتاة ملقاة على الأرض، يعتدي عليها فتى لا يرى فيها سوى وسيلة لإشباع شهوته.
شهيق…
زفير…
بكاء مكتوم…
لم تعد تشعر ببرد ديسمبر. كل ما تشعر به الآن هو الخوف.
ماذا يحدث؟ لم تتخيل يومًا أن تتعرض لموقف كهذا. لكنه يحدث بالفعل. إنها تتعرض للاغتصاب في إحدى ليالي ديسمبر، وعلى يد هذا الشخص تحديدًا!
ماذا يمكن أن يكون أسوأ من ذلك؟
ظلام… ولا شيء أسوأ من الظلام.
يحاول إسكاتها كلما قاومته أو حاولت الإفلات من يديه.
شهيق…
زفير…
بكاء مكتوم…
مرت الدقائق على الفتاة كساعات طويلة، حتى تركها الفتى ورحل، بعدما ارتكب جريمته.
هي تعرف ما حدث. وتعرف أنها الآن في ورطة كبيرة.
انفجرت فجأة في ضحك هستيري، وراحت تحك رأسها بكلتا يديها، كأنها تعاني حكة لا تحتمل. ثم نفضت الأتربة والطين عن ملابسها، بعدما كانت ملقاة على الأرض، وبدأت تبحث عن مكان مضاء.
أرادت الابتعاد عن الظلام؛ فقد أصبحت تمقته أكثر من أي وقت مضى.
لكن إلى أين؟
ماذا ينتظر هذه الفتاة في حياتها بعد الآن غير الظلام؟
الظلام… ولا شيء غيره. ذلك هو المستقبل الذي تتوقعه.
*
رسالة من محمود إلى آية
الرسالة الأولى
«هناك أشياء تحدث لنا بلا تفسير واضح؛ أشياء لا ندري لحدوثها سببًا واحدًا مقنعًا.
لا شيء على الإطلاق.
لقد أصابني العشق بسهامه، وحاولت الفرار منها بلا جدوى.
حاولت جاهدًا أن أهرب، وأن أعيش حياتي المملة البائسة كما هي، من دون أي إضافات. لكنني لم أستطع.
عيناكِ الساحرتان، وابتسامتك الرقيقة… كل هذا جعلني أقع في حبك من الوهلة الأولى. حاولت ألّا أراكِ، حاولت الابتعاد، لكن هل يستطيع أحد الهروب من قدره؟
لا أظن ذلك.
كنتِ كالمعجزة التي جعلت من قلبي الطفل شابًا يستطيع الحب.
آية… هكذا عرفت اسمك بعدما سألت إحدى صديقاتك، وبعد مراقبة صامتة دامت أشهرًا.
والمضحك أنني علمت أنكِ تحبينني أيضًا، من أصدقائك المقربين الذين أخبروني بذلك وشجعوني على الاعتراف لكِ بحبي. فقد كنت أخشى أن ترفضيني، وكان مجرد التفكير في أنك قد تبادلينني الحب أمرًا أشبه بالمستحيل، لكنه أصبح حقيقة.
أعرف أن زمن المعجزات قد انتهى، لكنني أعرف أيضًا أنه لا وجود للمستحيل.
أرسل إليكِ هذا الخطاب لأنني أراكِ زوجتي في المستقبل. لن أحبك للتسلية كما يفعل البعض؛ بل اخترتك لأنني لا أريد سواكِ في هذه الدنيا، حتى نهاية عمري.
سأنتظر ردك على هذا الخطاب.
وإذا رفضتِ وجودي في حياتك، فسأختفي إلى الأبد.
أحببتك يا آية…
أحببتك، وانتهى الأمر».
*
القاهرة — عين شمس
1998
مر ما يقرب من عام على رحيل آية عن منزل عائلتها، بعدما تركت رسالة تخبر أهلها فيها بأنها لم تعد صغيرة، وأنها قادرة على الاعتناء بنفسها، وقد اختارت الاستقلال عنهم؛ لأنها تكرههم كما يكرهونها، على حد قولها.
تسببت الرسالة في ذهول العائلة وصدمة أفرادها جميعًا. فآية كانت الفتاة المدللة، أو «آخر العنقود» الذي يحبه الجميع. ولم تستطع الأسرة تجاوز ما حدث حتى بعد مرور الشهور.
نظر الأب إلى ابنته الكبرى وقال:
— أميرة.
التفتت أميرة إليه، وانتبَهت الأم أيضًا.
— نعم يا بابا؟
صمت الرجل ثواني، ثم قال:
— اعملي حسابك، هتتجوزي عماد فوزي.
ابتسمت الفتاة في استنكار، وهزت رأسها.
— لأ طبعًا! هو أي حد وخلاص؟ ده شخص أنا مبقبلوش. أتجوزه على أساس إيه؟!
نظر الرجل إلى زوجته، وقال بغضب:
— اقنعيها. اقنعيها يا سيادة الأم المثالية! عرفتي تربي… بس تربية وسخة!
ابتلعت الأم ريقها، خائفة من غضب زوجها. فمنذ رحيل آية، أصبح الرجل أشد عصبية وحدة.
أكمل وهو يهم بالرحيل:
— أنا هروح أقابل الحاج فوزي وهتفق معاه على كل حاجة. الراجل كلمني كذا مرة وأنا مردتش. المرة دي هرد وهوافق، وأي حد مش عاجبه يلحق آية!
التعليقات 0
كن أول من يبدأ الحكاية في التعليقات.