ديسمبر — الفصل 07أحمد سمير حسن
هناك لحظة تدرك فيها أن حياتك بلا قيمة، وأن الانتحار يبدو لك الملجأ الأخير.
لا أحد سيحزن لغيابك.
هكذا يرى نفسه الآن: شخصًا لا قيمة له، لن يغير العالم. لا يرسم، فلن تترك لوحاته أثرًا؛ ولا يكتب، فلن يؤلف عملًا أدبيًا يهز القلوب. لا يقرأ، ولا يرى في نفسه ثقافة أو موهبة.
باختصار، يظن أنه إن مات الآن فلن يعرف أحد بموته؛ لأن أحدًا لم يعرف بحياته أصلًا.
وها هو يتخيل نفسه يغمض عينيه، وهو يعلم أنه قد لا يفتحهما مجددًا.
المطر…
لا يحب شيئًا أكثر من المطر. لكنه لم يفكر قط في أن تكون نهايته تحته.
خرج من الصيدلية بعدما اشترى مجموعة من الأدوية، وقد عقد العزم على إنهاء حياته بها. اتكأ على أحد جدران الشارع ليحتمي من المطر، ثم تناول ما اشتراه، وابتسم قائلًا بصوت مبحوح:
— سلام يا عالم يا قذر.
راح يتحدث إلى نفسه، مبتسمًا كأنه لم يعد يبالي بشيء.
— أنا مش فاهم… إزاي أتحمل الغياب بالشكل ده؟ لأ، مش بعد دلوقتي. دلوقتي جه الوقت… وقت الإظلام الأخير. هستناكِ في نهاية طريق الدنيا.
ألقى بجسده على رصيف مبتل بالمطر.
كان يظن أنه سيموت بعد دقائق، ومع ذلك ظل مبتسمًا. وكان يعلم ما قد ينتظره بعد محاولة كهذه، ومع ذلك لم تفارقه الابتسامة.
أغمض عينيه تحت المطر. تخيلها أمامه وبدأ يتحدث إليها:
— أنا عارف إنه مش ذنبك… بس برضه ليه؟ كان ممكن حياتنا تبقى أحسن من كده. ليه تنتهي بالشكل ده بسبب غلطة عملها حد غيرنا؟
بدأت الكلمات تخرج من فمه ببطء، وثقل لسانه. ابتسم، ثم اغرورقت عيناه بالدموع.
— أحبك… وعارف إنك مش هتسمعيني. هييجي يوم وتنسيني كأني مكنتش. وداعًا يا اللي حبيت الحياة عشانك.
تنهد.
وتساءل في سره لماذا لم يأتِ الموت بعد.
ظلام…
*
رسالة من محمود إلى آية
الرسالة الثانية
«ليتني أراكِ الآن لأنحني أمامكِ وأقبّل يمناكِ.
أنتِ لا تعلمين ماذا فعلت بي رسالتك حين أخبرتِني أنكِ تحبينني كما أحبك. كيف للحياة أن تبتسم في وجهي بهذه الطريقة، ومن دون سابق إنذار؟
فجأة، ومن دون مقدمات…
من دون قواعد…
من دون شروط…
من دون حدود…
أحببتك.
لا، لم أحبكِ فحسب؛ بل أدمنتك. نعم يا آية، فقد أصبحتِ حياتي حقًا!
لكن كيف لملاك بريء مثلك أن يحب بشريًا مثلي؟ هذا ما لم أتوقعه أبدًا يا ملاكي الصغير.
سأراكِ الخميس المقبل. أو بمعنى أدق، سيُكتب تاريخ ميلادي من جديد بدءًا من الخميس المقبل.
لأول مرة سأراكِ من دون تلصص أو مراقبة صامتة؛ هذه المرة سأراكِ وسترينني، وسأعانقك أمام الجميع من دون خوف.
سأخبرك كم كنت أشتاق إليكِ، وكم كانت الحياة قبلك مملة ورتيبة، وكيف أصبحت بعدك مليئة بكل ما هو رائع».
*
كانت دقات الساعة مسموعة في الغرفة.
الصمت…
الصمت بداية تفكير عميق. يصمت المرء قليلًا، ثم يغيب عما حوله، قبل أن يفيق فجأة ليخبرك بأشياء ربما لا معنى لها. وقد يخبرك يومًا أن الدجاج يلد ولا يبيض!
لكن صمت هذه الغرفة كان لسبب آخر. كان هناك فتى ينتظر قدوم «فتاة ليل» ليقضي معها سهرته، بحثًا عن بعض الدفء الذي يفتقده في ديسمبر.
نهض الفتى وشغّل الموسيقى. استمع إلى أغنية لبعض الوقت، ثم تأفف وغير المقطع إلى أغنية أخرى قديمة. لم تعجبه هي الأخرى.
ملل…
لا شيء جديد يريد سماعه.
كان يحاول الهرب من ذكرياته السيئة بالموسيقى؛ ربما يجد فيها ملجأ.
فتح محفظته وأخرج صورة قديمة يحتفظ بها منذ سنوات لفتاة أحبها ذات يوم. وما إن رأى صورتها وابتسامتها حتى دمعت عيناه.
قال في نفسه:
«من يريد الخروج من حياتي، سأدله على الطريق، ومن يريد البقاء سيتحدى كل الظروف والمشكلات».
ظل صامتًا حتى سُمع طرق على الباب…
التعليقات 0
كن أول من يبدأ الحكاية في التعليقات.