ديسمبر — الفصل 15أحمد سمير حسن
أخذ الرجل الملتحي الفتاة إلى منزله، وأطعمها، وتركها تحكي له قصتها كاملة.
راحت تروي ما مرت به، بين البكاء والضحك الهستيري الذي يخفي خيبة لا توصف.
غالبًا ما تحمل ضحكاتنا في أوقات الحزن وجعًا أعجز من أن يخرجه البكاء.
قال الرجل إنه يرحب بها في منزله، وإنه سيعاملها كابنته، ويرعاها ويفعل كل ما يستطيع ليعوّضها عما رأته في سن صغيرة.
لم يكن أمامها إلا قبول عرضه. ومرت الشهور، وكان لها بالفعل بمنزلة الأب، أو الأخ الأكبر إن صح التعبير.
*
نظر ياسر إلى محمود وقال:
— إنت غريب أوي يا محمود، والله.
— ليه؟
ابتسم ياسر باستهزاء:
— بتدور على واحدة سابت بيت أهلها وهربت؟ يعني هي هان عليها أهلها، إنت مش هتهون عليها؟ أكيد شمال، وإنت كنت عبيط وضحكت عليك.
أمسك محمود بزجاجة ماء وألقاها في وجه صديقه، ثم صاح باكيًا:
— البنت دي أشرف منك ومن عيلتك! أهلها كانوا وحشين يا ياسر. سابت أهلها وهربت عشاني… أنا اغتصبتها يا ياسر، ومعرفش عنها حاجة من ساعتها. أنا مجرد كلب خاين!
فتح ياسر فمه دهشة، لكنه قال ساخرًا:
— إنت من الذئاب البشرية اللي طنط ريهام سعيد بتحكي عنها!
لم يتحمل محمود سخريته هذه المرة، فتركه وغادر المنزل.
*
رسالة من محمود إلى آية
الرسالة الثامنة
«هذا هو الوقت. لم يعد عليّ الانتظار طويلًا.
الآن ستكونين بين يديّ، وسيتحدث الجميع عن قصتنا الغريبة: أول كائن بشري يقع في حب ملاك.
أحببتك يا آية.
أحببت كل تفاصيلك؛ طريقة كلامك، ومشيتك، وأسئلتك، وطريقتك في التعبير.
حتى خجلك… أنتِ كائن بريء، وكل ما فيك جميل.
لم أكذب يومًا حين قلت إنكِ ملاك».
*
لم يتوقف حمزة عن الاتصال بسارة، ولم تتوقف سارة عن تجاهل اتصالاته، حتى قررت أخيرًا أن ترسل إليه رسالة ورقية.
حين أخبرت مريم بالفكرة، سخرت منها:
— هو لسه في حد بيبعت رسايل ورق دلوقتي يا سارة؟ إيه جو قريش ده؟ ما تبعتيله واتساب!
ضحكتا، ثم قالت سارة:
— لأ، عايزة أبعتها ورقية. ومعلش، إنتِ هتوديهاله.
— اتدبسنا في المشوار كمان! طيب إنتِ هتقولي له إيه أصلًا؟
— هطلب منه يبعد طبعًا. هو لحق يحبني إمتى ولا إزاي؟ ده واحد عايز يتجوز جواز صالونات. وبعدين إحنا متفقين مفيش جواز، وهنعيش سوا على طول، صح؟
ضغطت مريم على أسنانها، ثم هزت رأسها موافقة.
أحضرت سارة ورقة وقلمًا وظرفًا، وجلست تكتب قرابة ربع ساعة. وحين انتهت، وضعت صفحات الرسالة داخل الظرف، وسلمته إلى مريم.
— مريم، تسلّميهاله في إيده، ووعد متقريش الرسالة ولا تفتحيها أبدًا. وعد؟
ضحكت مريم:
— مالك مهتمة أوي كده؟ فيها كلام أبيح ولا إيه؟
لم تضحك سارة، بل كررت سؤالها:
— وعد؟
— وعد.
*
بكى محمود كما لم يبكِ من قبل.
كان يتمنى لو يعود طفلًا، حين يرتكب الأخطاء فيسامحه الجميع لأنه لم يتعلم بعد معنى الصواب والخطأ.
يتمنى أن يرتمي بين ذراعي أمه التي رحلت إلى خالقها منذ زمن.
يعلم أنه ارتكب جريمة فادحة، ويحاول أن يفعل شيئًا ليصلح ما أفسده، لكنه لا يعرف كيف.
أحيانًا نرتكب خطأ واحدًا فنُحاسب عليه سنوات طويلة، وأحيانًا نفعل الصواب بلا مقابل.
هذه هي الدنيا… هذه قوانينها.
بل إن أول قوانين الدنيا أنها بلا قوانين؛ لا عهود ثابتة ولا وعود مضمونة، وما يحدث مع شخص ليس بالضرورة أن يحدث مع آخر.
كان محمود يشعر أن كل المارة في الشارع ينظرون إليه ويلعنونه.
أراد أن يصرخ بأعلى صوته:
«نعم، أنا شيطان… لكن لا تنظروا إليّ بعيون الملائكة! جميعنا نرتكب الشرور، والجميع هنا ليسوا أبرياء».
قطار السويس…
الصفارات…
كان يعشق صوتها منذ صغره، حين كان يأتي مع والده إلى المحطة، يراقب القطارات ويحيّي الركاب الذين لا يعرفونه.
كانوا يبتسمون لبراءته.
لكن اليوم شعر أن براءته قد ماتت منذ زمن، وأن داخله لا يسكنه سوى شيطان؛ عزازيل نفسه، كما تخيل.
عادت الصفارات تتردد.
تذكر والده، وابتسامات الركاب، وتلك الأيام التي رحلت.
والآن بقي وحده مع ذكرياته.
ابتسم وعيناه ممتلئتان بالدموع، ثم انفجر في ضحك هستيري جعل المارة يلتفتون إليه. ضرب ركبته بيده وهو يضحك، وقال:
— كل شيء جميل مات… والآن حان دوري.
ثم ألقى بجسده تحت عجلات القطار.
التعليقات 0
كن أول من يبدأ الحكاية في التعليقات.