ديسمبر — الفصل 16أحمد سمير حسن
وضعت مريم السماعتين في أذنيها، وانطلقت في طريقها إلى حمزة، تستمع إلى أغنية «أوعدوني». كان في كلمات الأغنية ما يجعل عينيها تدمعان. أعادتها خمس مرات قبل أن تصل.
قابلت حمزة، وسلمته الرسالة.
— سارة بعتالك الرسالة دي، وبتقولك تقراها ضروري جدًا.
جلس حمزة، وفتح الظرف بسرعة، وبدأ القراءة:
«لا أعرف كيف أبدأ، أو من أين أبدأ. إنها حكاية لن تصدقها حتى لو رويتها لطفل في المدرسة الابتدائية.
أولًا، أعتذر لك كثيرًا يا حمزة عما حدث. ربما كان كل ما أصابك، وكل ما مررت به، بسببي أنا في المقام الأول.
سأحكي لك كل شيء بالتفصيل.
لقد أحببت شخصًا كان السبب في كل ما حدث لي، ولك أيضًا. عرفته في المدرسة الابتدائية. كنا طفلين، وولد معنا حب نقي، ثم كبر الحب معنا، وبدأ يفقد نقاءه شيئًا فشيئًا.
حتى بلغت مشارف السادسة عشرة. عندها قررت أن أترك منزلي، حتى لو اضطررت إلى العمل في أي مكان، لأكون بالقرب من محمود.
وبالفعل فعلت ذلك. اقتربت منه، وكنت أنام أحيانًا في الشوارع، حتى جاء يوم أسود لم أرَ بعده ضوءًا حقيقيًا.
اغتصبني محمود!
نعم، الشخص الذي عشقته هو من اغتصبني.
لم أكن أعرف ماذا أفعل. هل أعود إلى أهلي بعدما حدث، أم أواصل الرحلة وحدي؟
وقبل أن أكمل، يجب أن أخبرك بشيء: أميرة هي أختي. نعم، أنت كنت تحب أختي، وأنا من تسببت، من دون قصد، في فراقكما.
لنكمل…
بعد الاعتداء، قررت مغادرة القاهرة والذهاب إلى الإسكندرية. وصلت إليها، ونمت في الشوارع تحت برد ديسمبر، حتى وجدت رجلًا قرر أن يأخذني إلى بيته ويعاملني كابنته.
وبالفعل، فعل ذلك.
ثم اكتشفت أنني حامل. فكرت في إنهاء الحمل، لكن الرجل الذي رعاني أقنعني بالاحتفاظ بالطفلة، وقال لي إن الله لن ينساها.
وهكذا عرفت أن مريم في طريقها إلى هذا العالم.
ونسيت أن أخبرك: اسمي الحقيقي آية. لكنني حين جئت إلى الإسكندرية اخترت اسمًا جديدًا، هو سارة، خوفًا من أن يعثر عليّ أحد من عائلتي.
أنجبت مريم.
وبعد فترة، قررت ترك منزل الرجل الذي اعتنى بي. لم أرد أن تعرف ابنتي شيئًا عن الماضي. أردت الاستقلال مرة أخرى، وقد حصلت عليه.
لكن الوجع سكن داخلي، ولم ينتهِ أبدًا.
هل تتخيل؟ أصبحت أمًا يا حمزة وأنا لم أتجاوز السابعة عشرة!
ربيت مريم واعتنيت بها، وأخبرتها أننا شقيقتان، وأن والدينا توفيا في حادث.
بعدما غادرت البيت للمرة الثانية، عملت مع فرقة موسيقية، وبدأت تعلم عزف الساكسفون. نشأت مريم في هذه الأجواء الفنية، وهي تعتقد أنني أختها الوحيدة.
استمررت مع الفرقة حتى احترفت الساكسفون، بينما عشقت مريم الرقص منذ طفولتها، وتعلمت أنواعه المختلفة. وهكذا عشنا كأختين.
فكرت في الانتحار مرارًا، لكنني تراجعت لأنني شعرت أنني الملجأ الوحيد لمريم.
لكن ليس بعد الآن.
سأطلب منك طلبًا أخيرًا:
أرجوك أن تعتني بمريم.
لقد تركت روحي معها.
انتحاري لن يعني سوى اختفاء جسدي، لكن روحي ستظل معها. أرجوك اعتنِ بها، ولا تخبرها بشيء.
آسفة على كل شيء… أنا لا أصلح للحب».
ترك حمزة الرسالة، وقد ارتسم الذهول على وجهه وامتلأت عيناه بالدموع، ثم اندفع راكضًا بجنون.
لم يكن يعرف مكان منزل سارة، لكنه ركض على أي حال.
ارتبكت مريم، وساورها خوف شديد. التقطت الرسالة وبدأت تقرؤها، ولم تمر دقائق حتى انتهت منها.
دخلت في نوبة من الضحك والبكاء في الوقت نفسه، ثم وضعت الرسالة، ومسحت دموعها… ورحلت.
التعليقات 0
كن أول من يبدأ الحكاية في التعليقات.