ديسمبر — الفصل 17أحمد سمير حسن
بعد نحو ثلاثة أشهر من التشتت والنوم في أماكن متفرقة، والتنقل من عمل إلى آخر، وصلت مريم إلى المكان الذي ستبقى فيه قرابة عام.
«جرافيتي».
حيث الحفلات الراقصة وموسيقى الروك والجاز، من التاسعة مساءً حتى الثالثة صباحًا.
موسيقى ورقص بلا توقف.
لو كانت حياتها أفضل قليلًا، لربما صار هذا المكان أحب الأماكن إلى قلبها.
تقدمت تطلب عملًا، فرحب بها الرجل القصير الأصلع.
لم يسألها كثيرًا عن حياتها الشخصية، واكتفى بقوله:
— اسمك إيه وعندك كام سنة؟
تنهدت مريم، والدموع تلمع في عينيها. ثم ابتسمت وقالت:
— اسمي ندى… تسعتاشر سنة.
صافحها الرجل، وبدأ يشرح لها طبيعة العمل، ومدى أهمية أن يخرج الزبون من المكان راضيًا عنها وعن كل شيء.
أدركت أن العمل هنا سيفرض عليها أمورًا لا ترضاها لنفسها. لكنها كانت بحاجة إلى المال والمأوى.
كان العرض مغريًا: راتب كبير، وشقة مجانية من «مستر هاني»، صاحب المكان، إلى جانب الهدايا التي قد تحصل عليها من الزبائن.
كانت تقول لنفسها إن كل شيء سيكون على ما يرام.
كانت تكذب.
تقول إنها في غاية السعادة بالعمل الجديد.
وهي تكذب.
تضحك في الأماكن العامة…
وحين تُغلق باب غرفتها، تبكي.
*
الإسكندرية — مكتبة الإسكندرية، المسرح الكبير
انتهت «فرقة الميناء» من فقرتها الأولى، التي قدمت فيها أغنية «يا حلو صبح» باستخدام الساكسفون والإيقاعات الصوتية «بيت بوكس». حظيت الفقرة بإعجاب الجمهور وتصفيقه الحار.
غادرت الفرقة المسرح، ثم ظهر حمزة محييًا جمهوره.
ارتفعت الأصوات والتصفيقات؛ الجميع يرحب بمؤلف الموسيقى والعازف الوسيم، وخاصة المعجبات اللاتي رددن اسمه بحماس.
بدأت فرقته العزف، وتفاعل الجمهور معها حتى انتهت الفقرة.
تقدم حمزة من الميكروفون وقال:
— أنا طبعًا بشكر كل واحد موجود النهارده، فرحتوني جدًا. بس أنا عامل لكم مفاجأتين. الأولى إن عندي فقرة ساكسفون منفردة لعازفة موهوبة جدًا، والمفاجأة التانية… إنها بقت مراتي!
انفجر الجمهور في التصفيق.
دخلت سارة إلى المسرح مبتسمة، بشعرها القصير وعينيها العسليتين، وبدأت عزفها المنفرد.
ثم، من دون مقدمات، انهمرت الدموع من عينيها. تحوّل البكاء إلى نوبة هستيرية، وسقطت على ركبتيها وهي تصرخ:
— بنتيييي… مريييييم!
*
دوّى جرس الفسحة، فخرج التلاميذ إلى فناء المدرسة. عمّت الضوضاء والضحكات والصياح، ما عدا بعض الأطفال الذين جلسوا بهدوء، ومنهم ساندي وعمر.
كانا يجلسان متقابلين، ينظر كل منهما إلى الآخر كعاشقين صغيرين. وكان الجميع يعلم أنهما يحبان بعضهما.
كانت ساندي تضع خطاباتها في حقيبة عمر المدرسية من دون أن يراها. لكنه كان يعرف أنها صاحبة الرسائل، ويتظاهر بغير ذلك. وكان يفعل معها الأمر نفسه، فتتظاهر هي أيضًا بعدم الفهم.
قال عمر، وهو ينظر إلى عينيها:
— عايز أقولك حاجة، بس متزعليش مني ولا تقولي للميس.
— قول، بس مش عارفة هقول للميس ولا لأ. لو حاجة زعلتني هقولها وهقول لماما.
نظر عمر إلى الأرض، ثم رفع رأسه وقال:
— بحبك… ولما أكبر هتجوزك.
لم ينتبه إلى أن حمزة، أخا ساندي الأكبر منها بعام، كان قريبًا منهما وسمع كل شيء.
وحين انتهى اليوم الدراسي، عاد الطفلان إلى المنزل، وأخبر حمزة والدته بما سمع، فارتجفت ساندي خوفًا.
نظرت الأم إلى ابنتها وسألتها:
— بتحبيه؟
انهمرت دموع ساندي، وهزت رأسها بالإيجاب. فاحتضنتها أمها وقالت:
— يا حبيبتي متخافيش، إنتِ معملتيش حاجة وحشة. الحب مش عيب. وأنا عارفة إنك كده كده كنتِ هتقوليلي لو حمزة مقالش. روحي اغسلي وشك وكلي، وتعالي احكيلي كل حاجة. بتحبوا بعض من إمتى ومخبية عليّا يا جزمة؟!
قالت الجملة الأخيرة مداعبةً إياها، فابتسمت الصغيرة وانصرفت.
ذهبت الأم إلى زوجها:
— شفت يا عم عماد؟ بنتك بتحب وهي في أولى ابتدائي!
ابتسم عماد، وجذب زوجته من يدها ليعانقها.
— أحلى حاجة فيها يا أميرة إنها شبهك.
ابتسمت أميرة وقالت:
— بجد أنا مش عارفة أقولها إيه.
— متقوليلهاش حاجة. سيبيها براحتها، بلاش تضغطي عليها، بس خلي بالك منها وراقبيها من بعيد.
صمتت أميرة قليلًا ثم قالت:
— تعرف يا عماد؟ أنا كنت بحب زمان، ولما اتجوزتك كمان… بس دلوقتي بحمد ربنا ألف مرة إنك معايا، وإني اتجوزتك إنت.
ضحك عماد وقال مداعبًا:
— يا بخته ابن الذين! فلت، وأنا اللي لبست!
ضحكا معًا، ثم أكمل:
— أنا اللي بحمد ربنا فعلًا… عمري ما كنت هشوف السعادة دي إلا معاكي يا أميرة.
التعليقات 0
كن أول من يبدأ الحكاية في التعليقات.