ديسمبر — الفصل 05أحمد سمير حسن
الإسكندرية — مكتبة الإسكندرية
ديسمبر 2016
كانت الفتاتان في طريقهما لمقابلة مؤلف الموسيقى الشهير «حمزة الفيشاوي»، بعد أن اجتازتا الاختبار الذي أعلن عنه منذ فترة لاختيار عازفين موهوبين للمشاركة في حفلته المقبلة بمكتبة الإسكندرية.
حان موعد المقابلة. سارتا ببطء، وقد بدا عليهما التوتر، وراحت كل منهما تسدي النصائح للأخرى.
— وإنتِ بتكلميه، حاولي متكونيش متوترة.
ردت الأخرى سريعًا، قبل أن تكمل أختها جملتها:
— نعممم؟ ومين قالك إني أنا اللي هتكلم أصلًا؟ أمال إنتِ الكبيرة كده وخلاص بقى؟!
استمر الحوار على هذا النحو حتى وصلتا إلى المكان الذي يجلس فيه الرجل. كانت تلك المرة الأولى التي تريانه فيها وجهًا لوجه؛ فالاختبارات صُوّرت وأُرسلت إليه ليحكم على المتقدمين.
وما إن رأته الفتاتان حتى دهشتا: رجل تجاوز الأربعين بعامين تقريبًا، ويحظى بكل هذا القدر من الوسامة! ولأول مرة، بدت لهما خصلات الشعر الأبيض في مقدمة رأس رجل في مثل سنه وكأنها تزيده جاذبية.
تبًا… كيف يمكن التركيز بهذه الطريقة؟!
لاحظت إحداهما نظرة الأخرى المحمّلة بالإعجاب، فمالت نحوها وهمست:
— اتلمي… متفضحيناش. خلينا نخلص، ولما نروح ننمّ عليه براحتنا!
تبادلتا الضحك، ثم اقتربتا من مكان جلوسه. تنحنحت الكبرى وقالت بتلعثم:
— أستاذ حمزة… إحنا بتوع الاختبارات… اللي حضرتك اديتنا ميعاد النهارده.
نظر إليهما، وابتسم:
— اتفضلوا.
تبادلت الفتاتان النظرات، وقلوبهما تخفق بسرعة. كانتا تختلسان النظر إلى وجهه، ثم تعودان بأعينهما إلى الأرض وما حولهما.
بدأ الرجل الكلام ليكسر حاجز الصمت:
— أنا اسمي حمزة، مؤلف موسيقي، وعازف كمان، وبرسم.
ردت إحداهما:
— طبعًا عارفين حضرتك، مين ميعرفش حضرتك؟!
زفر الرجل ونظر إلى أسفل مبتسمًا:
— عارف والله، بس أنا مش بقول كده عشان أعرّف نفسي. أنا بس بحاول أشيل التوتر اللي بيننا وتعرّفوني بنفسكم… آه، على فكرة، شعرك حلو جدًا.
تنحنحت المقصودة، بينما انفجرت الأخرى ضاحكة، ثم حاولت كتم ضحكتها سريعًا.
بدأت الكبرى التعريف بنفسها:
— أنا اسمي سارة، عندي خمسة وتلاتين سنة، وبعزف ساكسفون. ودي أختي مريم، عندها تمنتاشر سنة، وبترقص زي ما حضرتك شفت في الاختبار. عايشين سوا في سيدي بشر. والدي ووالدتي متوفيين من زمان في حادثة، وملناش إخوات… بس كده.
ابتسم حمزة وقال:
— من غير «حضرتك» بقى. بصراحة، أنا مكنتش محتاج رقص في الحفلة بتاعتي، بس بعد ما شفتكم سوا أعجبت بيكم جدًا. فعلًا ليكم مستقبل مبهر.
استمر الحوار والتعارف نحو ساعة، ثم انصرفت الفتاتان بعد أن تركتا له رقمي هاتفيهما، على أمل أن يأتي اتصال قريب يخبرهما إن كانتا ستشاركان في الحفل، أم أن كلمات التشجيع لم تكن سوى اعتذار لطيف عن قبولهما.
وفي طريق العودة، ظلت سارة صامتة، رغم محاولات أختها الأصغر مداعبتها.
كانت سارة، صاحبة الأعوام الخمسة والثلاثين، فاتنة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وعلى الرغم من تجاوزها الثلاثين، لم يكن يبدو عليها أنها تعدّت الخامسة والعشرين حتى.
Comentarios 0
Sé la primera persona en comentar.