— ولا كلمة!ثم أشار إلى الباب.— زيارتك انتهت.صرخت لين:— إنت بتطردني؟!
أجاب: انا عمري ما اتماديت وغلطت في واحده ست إنما معاكي اقسم بالله اقطع لسانك.. سليم اتصل بعم وهدان وخليه ياحي يلم حرمة بيته..
نظرت إليه بحقد…ثم التفتت نحوي، وقالت بصوت خافت لكنه وصل إلى أذني بوضوح:
— لسه الحساب بينا طويل يا أسما… وأنا مش هرحمك… انا اصلا جايه علشان ادمرك…لم أجب.
لكن قلبي ارتجف…ثم غادرت القاعة بخطوات غاضبة، تاركة خلفها صمتًا ثقيلًا… وهي تردد
= هوريكم كلكم ..
ما إن اختفت لين حتى شعرت بأن ساقيّ لم تعودا تحملانني.حاولت التماسك.لكن ناصيف لاحظ.اقترب مني، ووضع يده خلف ظهريي؛عالي معايا.
همست: أنا كويسة.
نظر إليّ بحزم: أسما… قلت تعالي.
لم أجادله…سرت بجواره حتى وصلنا إلى الجناح.
وما إن أغلق الباب حتى ابتعدت عنه، واتجهت إلى النافذة…كنت أختنق…لم أبكِ أمام لين…لم أسمح لها أن تراني ضعيفة.
لكنني الآن لم أعد أستطيع السيطرة على دموعي.
سمعت خطوات ناصيف خلفي: أسما؟
لم ألتفت: سيبني شوية يا ناصيف.
توقف…ثم ردد بهدوء: حاضر…ابتعد بالفعل.
وهذا ما جعلني أبكي أكثر!
كنت أتوقع أن يطالبني بالكلام، أو أن يغضب من صمتي…لكنه ترك لي المساحة التي احتجتها.
مرت دقائق..ثم سمعت صوته: أنا هنا… لما تحبي تتكلمي…استدرت ببطء…كان يجلس على الأريكة، وقد خلع عباءته السوداء ووضعها إلى جواره…نظر إليّ…ثم فتح ذراعيه بصمت.
لم يقل تعالي….لم يأمرني…فقط انتظر.
وفجأة وجدت نفسي أعبر المسافة بيننا.
اقتربت منه، وجلست إلى جواره، ثم أخفيت وجهي في صدره…احتواني فورًا.
وشعرت بذراعيه تلتفان حولي بحنان.
بكيت…بكيت كما لم أبكِ منذ هروب أختي.
قلت بصوت متقطع:
— أنا معملتلهاش حاجة يا ناصيف… والله ما عملتلها حاجة! مش انا السبب خالص
مرر يده فوق شعري: عارف يا حبيبتي.
— أنا كنت بحبها… رغم إنها عمرها ما حبتني!
ضمّني إليه أكثر: مش كل الناس بتعرف تحب صح يا أسما.
رفعت رأسي إليه: نفس من زمان اعرف هي ليه بتكرهني كده؟
نظر إليّ طويلًا..ثم همس:
— يمكن لأنها طول عمرها بتقارن نفسها بيكي… وإنتِ عمرك ما كنتِ بتقارني نفسك بيها…بس في النهايه هي مش بتكرهك هي مش عارفه توظف مشاعرها صح .. وتوجهها ليكي
انهمرت دموعي من جديد…فرفع يده ومسحها برفق: خلاص… كفاية دموع.
ابتسم: عينيكي دول معمولين للضحك مش للعياط.
خفضت رأسي.؟؟فرفع ذقني برفق.
— بصيلي يا أسما.رفعت عيني.
همس بصوت عميق: أنا مش عايزك تخافي من تهديدها. ولو رجعت تتكلم معاكي بالطريقة دي، قوليلي… لين صفحه وانقطعت من حياتنا متسظحيش ليها تفتح صفحه جديده، همست:
— وإنت هتعمل إيه؟
ابتسم ابتسامة جانبية: هفهمها إن الكبير لما يقول مراتي خط أحمر، يبقى قصده كل حرف.
شعرت براحة غريبة… :المفروض اخاف منك ، متبقاش دي النتيجه بعد الجوازه العجيبه اللي مرينا بيها بس أنا بحس بالأمان وإنت جنبي….تغيرت نظراته ثم همس بصوت منخفض: قوليها تاني.
ارتبكت= إيه؟
اقترب قليلًا=آخر جملة.
احمر وجهي= ناصيف!
ابتسم= يا عيون ناصيف… قولي.
همست:بحس بالأمان معاك.
أغمض عينيه لحظة.ثم فتحهما، ونظر إليّ نظرة جعلت قلبي يرتجف.. ويميل بوجهه يلتقط شفتاي بحنان جعلني اذوب بين ذراعيه… لد استعد نفسي ألا وهو يهمس بتذمر
= اسما هي الظروف بتاعتك دي هتفضل قرفاني كتير ..
============
ساد صمت طويل.لم يكن صمتًا محرجًا.بل كان ممتلئًا بشيء جديد لم أختبره من قبل…شيء يشبه السك\ينة… ويشبه الخوف الجميل في الوقت نفسه.
ثم نهض ناصيف، ومد يده إليّ: قومي.
نظرت إليه بحذر: هنروح فين؟
ابتسم: هخطف مراتي شوية.
اتسعت عيناي: تخطفني؟!
— أيوه.
— لفين! ومنين؟!
اقترب، وهمس: من السرايا كلها.
ضحكت.
—بجد تقدر …
قال بجدية مصطنعة: عيب عليكي انتي مرت الكبير وبعدين بيني وبينك، واضح إن النسوان مش ناويين يسيبولنا فرصة نعيش يومين حلوين…
ثم أضاف بابتسامة:وأنا بصراحة خايف عليكي..!
بعد ساعة، كنا في سيارة ناصيف السوداء، نسير في طريق تحيط به الحقول الخضراء.
كان يقود بهدوء، بينما أجلس إلى جواره، أتأمل الطريق من خلف الزجاج.
لأول مرة منذ زفافي، شعرت أنني أخرج من حصار السرايا.
مد ناصيف يده وشغّل أغنية قديمة هادئة.
نظرت إليه بدهشة:— إنت كمان بتسمع أغاني؟!
رفع حاجبه: هو أنا روبوت يا أسما؟!
ضحكت.
— لأ، بس مش متخيلاك رومانسي كده.
التفت إليّ لحظة: مين قالك إني رومانسي؟
ابتسمت: أهو واضح.
هز رأسه :لا يا دكتورة… أنا راجل عملي جدًا.
قلت بمكر: آه طبعًا…
— يا سلام! انتي بتهاوديني!.
— لأ ازاي..أشحت بوجهي نحو النافذة.. وانا احاول الا اضحك ..فقال بصوت منخفض:أسما؟
— نعم؟
— متكتميهاش هتفطسي
التفت إليه ثم انفجرت بالضحك من قلبي..
وصلنا إلى استراحة صغيرة أنيقة تطل على النيل.
كانت تحيط بها أشجار النخيل والياسمين، وأمامها شرفة خشبية واسعة تمتد فوق حديقة خضراء.
دخلنا المكان…وكان أكثر هدوءًا مما تخيلت.
همست بإعجاب: الله! المكان جميل أوي!
وقف ناصيف خلفي، يراقب انبهاري.
= عجبك المكان؟
أومأت بحماس:جدًا!
ابتسم: يبقى من النهارده المكان ده ليكي.
التفت إليه بدهشة.
— ليا؟!
قال ببساطة:
— أيوه… لما الدنيا تضيق بيكي، تيجي هنا.
نظرت إليه طويلًا.
— وإنت؟
ابتسم: طبعا معاكي، انتي يتمشيلك بلاد يا داكتوره.
شعرت بخفقان قلبي يزداد.
ثم قلت بخجل: إنت بتعرف تقول كلام حلو كمان.
اقترب خطوة: مش لكل الماس..
خفضت رأسي…فرفع يده برفق، وأبعد خصلة شعر خرجت من حجابي عند جبيني، ثم تراجع قليلًا.
— أسما…
رفعت عيني.
— نعم؟
نظر إليّ نظرة طويلة.
ثم قال: ممكن أحضنك؟ توقفت أنفاسي.لم أتوقع السؤال.
ولم أتوقع أن الرجل الذي يأمر الجميع بكلمة واحدة سيسألني بهذه الرقة!
ابتسمت بخجل.ثم أومأت.اقترب، وأحاطني بذراعيه.
وضعت رأسي فوق صدره.كان قلبه يخفق بقوة.
رفعت رأسي بدهشة.— ناصيف…
— نعم؟
ابتسمت بمكر لأول مرة: إنت قلبك بيدق بسرعة ليه؟!
تجمد.ثم نظر إليّ بذهول مصطنع.
— يا نهار أبيض!ضحكت: إيه؟
قال وهو يضع يده فوق صدره: الدكتورة كشفت المستور!..ضحكت أكثر,فأضاف بصوت منخفض:
— أهو ده اللي عملتيه في ناصيف الهواري يا بت وهدان.
نظرت إليه.
— أنا؟!ابتسم.
— أيوه إنتِ.ثم أخذ يدي ووضعها فوق صدره.
— سامعة؟شعرت بخفقان قلبه تحت راحتي.
أومأت بخجل.فقال:
— من ساعة ما دخلتي حياتي، وأنا مش عارف أرجع زي الأول…ارتجفت شفتاي.
همست:— ناصيف…
اقترب قليلًا: يا قلب ناصيف.
لم أستطع إكمال جملتي.فمال وطبع قبلة طويلة حانية فوق جبيني.ثم ابتعد قليلًا، يتأمل وجهي.
قال بصوت خافت:
— نفسي أفضل أشوف الضحكة دي طول عمري.
رفعت عيني إليه..وللمرة الأولى، لم أهرب من نظرته.
بل ابتسمت…ثم همست:
— وأنا نفسي أفضل أشوفك بتضحك كده…
لم أكن أعلم أن تلك اللحظات الهادئة كانت مجرد استراحة قصيرة قبل عاصفة جديدة.
فبينما كنت أجلس مع ناصيف على الشرفة، وصلته مكالمة من سليم.
نظر إلى الشاشة.
ثم أجاب: أيوه يا سليم…استمع لحظات.
وفجأة اختفت ابتسامته: إنت متأكد؟!
اعتدل في جلسته: إمتى حصل الكلام ده؟!
شعرت بقلبي ينقبض…ثم صرخ بصوت حاد:
— محدش يلمس حاجة لحد ما أرجع!
أنهى المكالمة.
نظرت إليه بقلق: في إيه يا ناصيف؟
ظل صامتًا لحظة: اسطبل الخيول جادت فيه النار..
التعليقات 0
كن أول من يبدأ الحكاية في التعليقات.