ديسمبر — الفصل 01أحمد سمير حسن
درجة الحرارة: 7° مئوية
القاهرة — جاردن سيتي
12 ديسمبر 2017 — الساعة 10:30 مساءً
كان الشارع هادئًا تمامًا، يكاد يخلو من البشر، باستثناء سيارات تمر بين حين وآخر. في هذا الجو البارد، احتمى الجميع بمنازلهم، متوقعين هطول الأمطار في أي لحظة.
هذا هو ديسمبر يا صديقي، وكما يعلم الجميع، فلا أمان لديسمبر أبدًا.
كانت أعمدة الإنارة وأضواء السيارات القليلة تنير الطريق أمام فتاة تسابق الزمن للحاق بشيء ينتظرها. تركت خطواتها السريعة آثارًا على أرض ما زالت مبتلة بأمطار الليلة الماضية.
الوقت…
نظرت الفتاة إلى ساعتها، ثم نفخت في يديها علّ ذلك يخفف من ألمهِما بسبب الصقيع.
الوقت…
حاولت الإسراع أكثر للوصول إلى المكان المنشود، لكن كل شيء بدا وكأنه يتآمر عليها: الأرض المبتلة، والبرد الذي لم ينجح المعطف الذي ترتديه في صدّه، ومضايقات بعض الشباب الذين وجدوا في هدوء الشارع فرصة للتحرش بفتاة متأخرة عن موعدها.
شعر قصير، وجسد متناسق، وعينان عسليتان أراهن أنهم لم يروهما جيدًا في ذلك الظلام؛ كل هذا جعل الفتاة محط أنظار المتسكعين.
وما إن وصلت إلى المكان المنشود حتى التفتت أولًا نحو الكورنيش؛ ذلك المشهد الساحر في الشتاء، كما كانت تزعم دائمًا. ثم رفعت عينيها إلى اللافتة الكبيرة التي تحمل اسم «Graffiti»، وتحتها، بخط أصغر، عبارة «Night Club».
صعدت درجات السلم مسرعة، حتى كادت تركض، ثم تنهدت ودفعت الباب.
موسيقى الجاز تملأ المكان.
الرقص… ولا شيء غيره.
وآلة الساكسفون التي طالما عشقتها.
كل هذا منح المكان طابعه الخاص.
هذا هو «جرافيتي».
نظر إليها أحد الحراس مبتسمًا، وكاد يسمح لها بالدخول، لولا أن رجلًا قصيرًا أصلع، تبدو عليه البدانة، لمحها عند البوابة فأسرع نحوها.
— ندى! ينفع كده؟ ساعة ونص تأخير!
صمتت ندى برهة تحاول استعادة أنفاسها بعد الركض والتوتر والخوف من التأخير، ثم قالت معتذرة:
— آسفة جدًا يا مستر هاني، بس فعلًا الطرق صعبة خالص.
هز الرجل رأسه، ولم يكن مهتمًا بإجابتها على أي حال؛ كل ما يهمه أنها وصلت. قال وهو يدير ظهره لها:
— طيب يلا، شوفي شغلك.
ابتلعت ندى ريقها، ثم أشارت إليه أن ينتظر، وقالت بنبرة مترددة:
— مستر هاني… أنا عايزة أصفّي.
التفت إليها هاني، رافعًا حاجبه الأيمن بابتسامة ساخرة:
— تصفّي؟!
تراجعت ندى خطوة، وشبكت يديها وقد بدا التوتر عليها.
— آه… أنا مش حابة أكمل. مش حابة الوضع أبدًا.
صمتت قليلًا، ونظرت إلى الأرض، فانحدرت دمعة من عينيها العسليتين، ثم أكملت:
— مش راضية عن نفسي أبدًا. اديني فلوس الشهر ده واللي فات، ولو على الشقة، أنا هدفع الإيجار… صدقني.
أخرج هاني ورقة وقلمًا من مفكرته، وتأملهما للحظات، ثم ألقى الورقة وحك مؤخرة رأسه بالقلم.
— طيب شوفي شغلك النهارده، وآخر الليلة نتكلم في الموضوع ده.
في تلك اللحظة، ارتفعت صيحات الحاضرين ترحيبًا بفرقة الليلة: «كايروكي».
نظرت ندى إلى الساكسفون في يد أحد العازفين، ثم عادت بنظرها إلى هاني وقالت، وقد اتخذت قرارها الأخير:
— لأ… مش هشتغل. أرجوك، تعبت.
تأفف هاني والتفت إلى الحراس:
— خدوا منها المفاتيح والفلوس، وخرّجوها.
ولم تمر سوى لحظات حتى وجدت ندى نفسها خارج المكان تمامًا.
الصمت.
الذهول.
ماذا حدث؟ هي نفسها لا تعرف. كان كل شيء يسير على ما يرام، ثم انقلبت حياتها فجأة رأسًا على عقب.
أصبحت بلا مأوى ولا عمل، وبلا عائلة.
وحيدة تمامًا في ذلك البرد، تحت سماء القاهرة.
لم تعرف كم من الوقت بقيت جالسة على الرصيف، تضم ركبتيها إلى صدرها وتغطي وجهها بيديها؛ مختبئة من هذا العالم القذر.
حتى سمعت أذان الفجر.
المؤذن ينادي الناس إلى الصلاة… وهي تبتسم.
عبرت إلى الجانب الآخر من الطريق، نحو الكورنيش، ونظرت إلى الماء الجاري اللامع.
«حي على الصلاة…»
ابتسمت وقالت في نفسها: «لماذا أصلّي؟ وهل تذكّرني الله يومًا؟»
«حي على الفلاح…»
«هل يتذكر الله أنه خلقني في هذا العالم الدنيء، أم جعلني شيئًا منسيًا؟»
تطلعت إلى النيل، وفكرت لدقائق: هل هذا هو القرار الصحيح؟ هل هذه هي النهاية المناسبة لها؟
امتلأت عيناها بالدموع وهمست لنفسها:
«ليست كل النهايات كما نحب، وإلا لأصبحت كل النهايات سعيدة».
صعدت إلى السور.
الانتحار…
هذا هو القرار الأخير.
Comentários 0
Seja a primeira pessoa a comentar.