ديسمبر — الفصل 13أحمد سمير حسن
رسالة من محمود إلى آية
الرسالة السادسة
«لماذا تتركين للحزن مكانًا في قلبك يا عزيزتي؟ الحزن ليس لمن هم مثلك.
أعلم أنكِ ممنوعة من الخروج، وأنكِ تقضين عطلة منتصف العام في المنزل، وحزينة لأن لقاءاتنا توقفت تقريبًا. لكن لا تحزني؛ سيأتي يوم يتغير فيه كل شيء ونكون معًا.
ستمضي العطلة سريعًا، وتعود الدراسة، وأراكِ كل يوم.
ولن يمنعني أحد من أن أعانقك.
لكن الأجمل أنه سيأتي يوم أعانقك فيه أمام الجميع؛ من دون خوف، أو تخفٍّ، أو قلق.
أمام المارة… وأمام والدك ووالدتك.
لأنكِ حينها ستكونين زوجتي وأمًا لأولادي. ستكونين حياتي بكل ما فيها.
مهلًا، مهلًا!
أنتِ الآن حياتي بكل ما فيها أصلًا!
تبًا لحماقتي.
هذا ما أريده: ابتسامتك فقط.
لكن احذري من الابتسام في الشوارع يا صغيرتي؛ فربما تفتنين شابًا من دون قصد، وأنا لن أسمح بذلك أبدًا!
لن يحبك أحد مثلما أحبك، ولن أحب أحدًا سواكِ».
*
هبطت الفتاة من القطار إلى محطة مصر في الإسكندرية. استقبلتها أصوات الباعة الجائلين والسيارات وسيارات الأجرة التي ينادي أصحابها بلا توقف.
كل شيء هنا كان يثير خوفها.
الظلام… ولا شيء أسوأ منه.
هي الآن في مدينة ساحلية غريبة عنها، وفي ديسمبر تحديدًا.
رفعت عينيها إلى السماء وهمست:
— هتشتي… أنقذني يا رب.
ظلت تسير ببطء، كما لو كانت شخصية جان فالجان في فيلم «البؤساء»، لا تقصد مكانًا بعينه. كانت تبحث عن أي سقف أو مدخل يحميها من برد الليل.
لكن هذه ليست فرنسا، وهي ليست جان فالجان.
ألقت بجسدها على الرصيف، وتمتمت:
— تعبت.
أخذت تتساءل: لماذا لا يصبح كل هذا حلمًا؟ ماذا يفعل الإنسان لو استيقظ يومًا واكتشف أن ما مر به في السنوات الأخيرة لم يكن سوى حلم طويل؟
تمنت ذلك، لكنه لم يحدث، ولن يحدث.
*
حملت سارة حقيبتها وانصرفت بخطوات سريعة. حاولت مريم اللحاق بها وهي تكاد تنفجر غيظًا:
— إيييه اللي إنتِ عملتيه ده؟ عايزة أفهم بتفكري إزاي؟!
لم ترد سارة.
— مش عايزة تعملي الحفلة بعد تعبنا ده كله؟
لا رد.
ظلّت سارة تسرع في خطواتها، وقد بدأت تبكي. لم تعرف مريم سببًا لما يحدث.
— ممكن تفهميني؟ إنتِ كنتِ عايزة تمشي حتى قبل ما يقولك إنه بيحبك! أقنعيني… في إيه؟!
ركضت مريم حتى أدركتها، وضمتها إلى صدرها.
— طيب ممكن تقوليلي بتعيطي ليه دلوقتي؟
أجابت سارة والدموع تملأ عينيها:
— خايفة.
شددت مريم عناقها من دون أن تتكلم، ثم نظرت مباشرة إلى عينيها العسليتين وسألت برفق:
— خايفة من إيه؟
*
— كنت عارفة إنها هتشتي.
بدأ المطر ينهمر، واشتد البرد على الفتاة المرتجفة. احتمت في ركن قرب محطة مصر، وضمت ركبتيها إلى صدرها وأسندت رأسها إليهما، ثم استسلمت لنوم عميق.
لم تختبر يومًا نومًا كهذا: أن تلقي بجسدك في شارع بمدينة غريبة عنك، بينما ينظر إليك المارة والمسافرون، ويتفحصك الغرباء.
لم تفكر في ذلك حين قررت ترك المنزل. ولو عاد بها الزمن، لفكرت ألف مرة قبل أن تفعل.
البرد…
المطر…
ديسمبر في الإسكندرية مختلف بالتأكيد.
لكنه بالنسبة إلى آية كان الجحيم ذاته.
اقترب منها رجل ملتحٍ، وراح يناديها:
— يا بنتي… يا آنسة.
ما إن فتحت عينيها حتى انهمرت دموعها، وأخذت ترتجف وتبتعد عنه كلما اقترب. كان وجهها مبتلًا بالعرق والدموع رغم برودة الجو.
راحت تلوّح بيديها في حركة دفاعية، كما تفعل قطة مذعورة تحاول حماية صغارها.
حاول الرجل تهدئتها:
— يا بنتي، اهدي… متخافيش.
لكنها واصلت البكاء والارتجاف، وكادت تضربه خوفًا.
— مالك؟ طيب متعيطيش.
ثم سقطت على ركبتيها، مستسلمة، كما يسقط ملاكم أرهقته جولات طويلة.
لقد انكسرت الفتاة من الداخل. انتُهكت براءتها قبل أيام على يد الشخص الذي أحبته، وأصبحت تشعر كأن روحها غادرتها.
ما أقسى الاستسلام: أن تضع أمامك كل مخاوفك وأوجاعك، ثم تقول لها إنها انتصرت عليك.
نظر إليها الرجل بحيرة، ثم اقترب وأمسك يدها برفق، وكأن عينيه تقولان: «ستكونين بخير، أعدك. لا تبكي».
لا تبكي يا نورس الجنة…
لا ترتجفي يا أفروديت؛ فما زال في العالم بشر كثيرون لم يعرفوا معنى الحياة لأنهم لم يروكِ بعد.
ضمّها الرجل إلى صدره بحنان أب، وسألها:
— متعيطيش… قوليلي اسمك إيه؟
تنهدت الفتاة وقالت بصوت متقطع:
— أاا… اسمي سارة.
Comentários 0
Seja a primeira pessoa a comentar.