وصل آسر إلى (نادي القتال) المكان الذي يُمارس فيه عمله الغير مشروع بالملاكمة على المراهنات، لم يَكُن المكان يُشبه أماكن مباريات الملاكمة أو حتى التدريب الشرعية، بل أنه أقرب إلى (ملهى ليلي) ففتيات الليل ينتشرن في كُل مكان يحاولن إقناع الزبائن من أصحاب الطبقة فوق المتوسطة أن تُراهن بما معهم على ملاكم من الموجودين في القاعة، كان آسر واحدًا من هؤلاء أصحاب الثقة، الذي دائمًا ما يكون الرهان عليهم رابحًا، وعلى الرغم من هذا، فهو لا يأخذ من صاحب (النادي) إلا الفُتاتاقتربت فاتن وهي إحدى العاملات في النادي من آسر بمُجرد رؤيته قالت بميوعة مُفتعله:
- حمدلله ع السلامة يا مستر آسر
تأفف آسر وهو يُزيح يدها التي امتدت لتداعب كتفيه وقال:
- الله يسلمك يا فاتن، أين السيد؟
فوضعت اصبعها على فمه وقالت (صه) بميوعة اكثر افتعالًا:
- أنت لا تُفكر إلا في العمل؟ ألن تُفكر في جلسة مساج معي ولو لمره! أعدك لن تندم
دفع يدها بقوة أكبر من السابقة وهو يقول:
- لا أريد، أريد السيد (فواز)
لمحه آسر وهو يقول اسمه، فتجاهل فاتن، وأقترب منه وهو يقول:
- سيد فواز كيف الحال، أتمنى أن تكون بخير حال اليوم
= لا زيادات يا آسر، لا تحلم
ضاقت أعين ياسر وتأفف وهو يقول:
- أنت دائمًا تظن في السوء، لقد جئت لأطمئن عليك فحسب
فأزال السيد فواز نظارته الطبيعة وقال:
- ثم؟
تنحنح فواز وقال:
- أحم كُنت سأطلب زيادة بسيطة فقط، أنت تعرف أمر الغلاء و
= فز أولًا، وبعدها تعال وقُل لي إنك تُريد زيادة في الأموال التي تُريدها نظير المُباراة الواحدة، أنت كقاتل مأجور يا فواز، لا يُمكن أن تُفكر في المُقابل المادي قبل أن أخبرك عن الضحية، أليس كذلك
- منذ متى وأنا أخسر يا سيد فواز؟
وضع سيد فواز يده على كتف آسر وقال:
- قد تخسر اليوم، لأنك لن تلاكم رجلًا عاديًا
= ليس عاديًا! أظن أن جدول سيلفيستر مُملتئ بتصوير جُزء جديد من سلسلة روكي يا سيد فوــ
أشار فواز إلى شخص ما، وهو يهمس لأظن آسر
- اليوم ستُلاكم (فرعون) الذي لم يخسر أي مباراة في ساحات لوس أنجلوس، الأمر ليس سهلًا، فُز عليه، وسأعطيك ما تُريده
بدا القلق على وجهه آسر وهو يقول للسيد فواز:
- لكنك لم تُخبرني بأمر الــ
= بأمر ماذا؟ هل أحتاج لأخذ الإذن منك؟ أشار إلى الحضور وقال، ألم تلاحظ التكدس في نادي القتال اليوم؟ هذا لأن مباراتك مع فرعون مباراة مُنتظرة
نظر آسر إلى الجموع والأفكار تدور في رأسه، لا يعرف ماذا سيفعل أمام هذا الحيوان المُفترس المُسمى فرعون
أنتشلته ابتسامه (فاتن) المتقصعه في مشيتها نحوه وهي تقول له:
- هناك فتاة اتصلت لتطلب الحديث معك، اسمها نيللي
شعر آسر بالقلق، فأخبرها كثيرًا أن لا تتصل به إلا في الحالات الطارئه، أنطلق بسرعة نحو الهاتف، ليرد
- نيللي ما الأمر؟
= لا تقلق يا عزيزي كل شيء بخير
- إذا لما تتصلين هُنا، قُلت لكِ أن لا تتصلي إلا لو ..
= لقد شعرت ببعد التعب منذ قليل، وأخذتني الست صفاء للطبيب
- طبيب! أي طبيب! إذًا؟ هل أنتِ بخير؟
= افرح يا عزيزي ستُصبح أبًا قريبًا!
- أبًا؟ هل تقصدـي أنكِ حبلى؟
= نعم ..
تلعثم لسان آسر لا يعرف ماذا يقول، فقد أعتراه الحُزن، ولكن يحاول أن لا يظهر هذا على نبرة صوته
فقال بنبره يحاول أن يجعلها تبدو سعيدة قدر المستطاع:
- مبروك يا عزيزتي، هذا اسعد خبر في حياتي
= ألن تأتي؟
- لماذا؟ أنا لدي مباراة
= ظننت أنك ستأتي لنحتفل بــ
- بعد المُباراة
= حسنًا، شكرًا
قالتها وأغلقت الخط
شعر آسر بضيقها، ولكن لم يكن في حال تسمح بأن يتصل مُجددًا، كان هذا هو هاجسه الأكبر أن يُنجب وهو في هذا الحال السيء
فلا قدرته المادية ولا استقرار عمله يسمح بأن يكون لديه أبناء، فمنذ دقائق كان يطلب المزيد من المال من السيد فواز، لأن المال الذي يتقاضاه مُقابل المباراة الواحدة لا يكفيه هو ونيللي، إذا ماذا سيحدث إذا زاد عدد أفراد الأسرة، عندما يكبر هذا الطفل، ماذا سيقول له، هل سيقول له أنه يعمل كملاكم يُراهن على حياته مقابل حنفة جنيهات؟
كل هذه الأفكار دارت في رأسه حتى أتت فاتن وهي تقول:
- يبدو أن المكالمة أحزنتك قليلًا، قُلت لك أن السعادة عندمي ولم تقتنع
نظر لها آسر وقد رأت الشر في عيناه، فقالت:
- آسفه آسفه، أمازحك فحسب، جئت كي أقول لك أن موعد مباراتك بعد دقائق
هز رأسه ببطء أي أنه يعلم هذا، وقف أمام المرآة وهو يقول:
- هذا أنا، بعد دقائق سأراهن على حياتي وهناك فتاة في المنزل تنتظر مني أن أعود سالمًا، لأن لا أحد لها غيري، وهذه الفتاة ستنجب طفلًا!
أنتفض جسد آسر عندما شعر بيد سيد فواز على كتفه وهو يقول له:
- لقد حان الوقت، خسارتك اليوم، يعني أن أجرك سيقل للنصف، وفوزك يعني بأنه سيتضاعف، أريهم قوتك يا بطل
صعد آسر إلى الحلبة، والجمهور يُحييه ويُحيي فرعون
الذي صافحه وهو يقول له:
- سمعت عنك الكثير، أتمنى أن تكون مباراة تليق بما سمعته
هز آسر رأسه وقال له:
- أتمنى ذلك أيضًا
أعلن الحكم بداية المُباراة
وكانت هذه اسوأ دقائق مرت على آسر في نادي القتال، ذهنه المشتت جعله ينسى أحيانًا أنه يخوض مباراة مصيريه بالنسبة له، فهو يلاكم الملاكم الأقوى منذ بدأ هذه اللعبة، وهذه المباراة ستُحدد أجره لشهور قادمه، كان آسر يتلقى اللكمات دون أن يحاول حتى أن يُدافع عن نفسه ..
يُفكر فقط في طفل ذنبه في الدُنيا أن والده سيكون آسر!
ظل آسر يحاول أن يحمي وجهه، ولكن فرعون كمحارب يُدافع عن وطنه، لم يُعطي لآسر فرصة لتتنفس أو التفكير في طريقة للهجوم، سقط آسر على ركبتيه
جثى على ركبتيه وهو ينظر إلى أعين فرعون الذي أقترب منه وقال:
- أنت بخير؟ لن ألكمك حتى تنهض لا تقلق، استعد قوتك أنت مُشتت جدًا!
هز آسر رأسه ليؤكد له بأنه بالفعل مُشتت
نهض آسر، والغضب يعتريه، نهض وهو يشعر بغضب من الدُنيا ومن وجوده فيه، هذا الغضب قد زاد من قوته قليلًا، ولكنه أنقص من تركيزه الكثير، فكلما حاول أن يلكم فرعون
يتفادى الضربة، ويوجه له ضربه قوية في وجهه ..
أصبحت الرؤية بالنسبة لآسر ضبابية، وقد تأكد في هذه اللحظة، أنه قد هُزم، بأن لكمة أخرى ستجعله يفقد وعيه، وستجعل الحكم السمين يُنهي المباراة مُعلنًا فوز فرعون
لم يأتي في رأس آسر في هذه اللحظة سوى شيئًا واحدًا وهو (سنجهض هذا الطفل)
حرك يده من أمام وجهه وضعها جانبه، ليُفسح الطريق لفرعون ليُسدد الضربة القاضية في وجهه كي يسقط على الأرض
وليفقد الوعي ويخسر المُباراة، ويسخر معه عشرات المتراهنون أموالهم للمره الأولى.
فتد ما يقرب من ثلث الساعة فتح آسر عينه ليجد نفسه في الغرفة التي تعرض فيها (فاتن) مفاتنها مقابل حفنة جنيهات، حاول النهوض حتى أتت فاتن مسرعه وهي تقول:
- ابق مكانك، أنت تتألم جدًا، ماذا حدث لك اليوم؟
نظر لها بعدم فهم وهو يقول:
- ماذا حدث؟
= أنت لم تلكمه حتى، بدوت وكأنك تائهًا
في هذه اللحظة دخل فرعون الغرفة، وهو ينظر إلى آسر ويسأله:
- هل أنت بخير؟
= أنا بخير، شكرًا لسؤالك
نظر فرعون بشك وقالك:
- لا تبدو كذلك ابدًا
= تعودت على مثل تلك الكدمات، لا تقلك
- لا أقصد الكدمات، أقصد من قبل المباراة
نظر آسر له ولم يُجيب، فقط نهض ليرتدي ملابسه ويرحل، ولكن فرعون أقترب منه وقال هامسًا:
- أمثالنا نلاكم ونتألم كي نجد عيشًا نأكله في نهاية اليوم، وعند خسارتنا، يكون الألم أشدد مراره، لأنه يأتي بلا مقابل، أنا اعرف أن يومك سيء، وأن لو كنت في كامل تركيزك كان من الممكن أن تكسب هذه المباراة، فأرجو أن لا تُرد هديتي، تركت لك نصف ما كسبت من المباراة في جيب قميصك
نظر آسر بتعجب إلى فرعون فوجده يربط على كتفه وهو يقول:
- كُن بخير
قالها ورحل بلا كلمة أخرى
أرتدى آسر قميصه وهو لا يعرف كيف ستكون أيامه القادمه.
Comentários 0
Seja a primeira pessoa a comentar.